الجمعة , يونيو 12 2026
الرئيسية / تحقيق صحفي / داخل مكتب الرئيس 3
Screenshot

داخل مكتب الرئيس 3

سلسلة داخل مكتب الرئيس (3): حزب البعث.. من أروقة الفكر إلى عسكرة الدولة والمجتمع

بقلم: سامر حبيب

​لا يمكن لنا أن نلج عتبة المكتب الرئاسي السوري، قبل أن نفهم أولاً كيف دخله حافظ الأسد في الأساس. لن نعود بالزمن كثيراً إلى الوراء، ولن نغرق في تفاصيل مرحلة ما بعد الاستقلال والانقلابات العسكرية المتلاحقة، لكننا سنركز على العامل الأهم في تلك الحقبة؛ العامل الذي تسبب في صعود حافظ الأسد ووصوله إلى القصر، وكان سبباً مباشراً في إنهاء الحياة السياسية في سوريا منذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا، ألا وهو: حزب البعث العربي الاشتراكي.

​تمدد عابر للحدود: البعث في مواجهة الناصرية

​كان حزب البعث الأكبر على الإطلاق في الساحة العربية، إذ لم يشهد التاريخ العربي الحديث حزباً تجاوز حجم تمدده وانتشاره ما حققه البعث. وإذا تبادر إلى ذهن القارئ مقارنته بظاهرة جمال عبد الناصر، فإن الناصرية كانت تياراً فكرياً وسياسياً فضفاضاً غير مرتبط بحزب واحد، ولم تكن تشكيلاتها الصغيرة تجمعها قيادة موحدة.

​في المقابل، تمكن حزب البعث من السيطرة الكاملة على سوريا والعراق، وكان له حضور برلماني ممثل بمقاعد في لبنان، وتواجد بارز في الأردن، وفلسطين، واليمن، والسودان، وليبيا، والجزائر، وتونس. بل إن جذوره امتدت لتصل إلى الدول الملكية مثل المغرب، والكويت، والبحرين، وإن كان ذلك بدرجة أقل حدة.

​إن حديثنا عن الحزب هنا ليس مجرد سرد لوقائع تاريخية مألوفة حول تأسيسه ومؤسسيه، بل يكمن الهدف في سبر أغوار ما أحدثه هذا الحزب في البنية الاجتماعية والسياسية السورية؛ وكيف نجح في تحويل السوريين من مواطنين إلى “بعثيين”، ومن أفراد في مجتمع مدني إلى “أعضاء عاملين” في ماكينة حزبية.

​ميشيل عفلق: الفيلسوف الذي بحث عن الهوية

​لن نتوقف عند صلاح البيطار، بل سنذهب مباشرة إلى الرجل الحقيقي الذي يقف وراء فكر البعث؛ فيلسوفه، ومنظره، ومؤسسه ميشيل عفلق. ينتمي عفلق إلى عائلة دمشقية مسيحية من طائفة الروم الأرثوذكس، تقطن في حي “باب توما” العريق. كانت عائلته مهتمة بالعلم والتعليم، ولهذا السبب أرسلت ابنها ميشيل (المولود عام 1910) ليتابع تحصيله العلمي في جامعة “السوربون” بفرنسا، حيث تعمق في دراسة العلوم الفلسفية وعلم الاجتماع.

​لعل من الأهمية بمكان إدراك السياق التاريخي للمسيحيين في الشرق؛ فبعد قرون من الحكم العثماني، شعر الوجدان المسيحي بنوع من الضياع والهامشية السياسية. بناءً على ذلك، نلاحظ أن معظم المفكرين الذين رفعوا راية “القومية العربية” -في محاولة لإيجاد ذاتهم ودورهم الحضاري داخل هذا الفضاء ذي الأغلبية الإسلامية- كانوا من المسيحيين، أمثال: قسطنطين زريق، وجورج حبش، وأنطون سعادة، وبالتأكيد ميشيل عفلق.

​الأربعينيات والصراع الدولي: الرعاية الفرنسية غير المعلنة

​كان التوجه القومي العربي يطغى على حقبة الأربعينيات، مدفوعاً بظهور الفكر القومي في تركيا وإيران من جهة، وبمرور جحافل الجيوش الألمانية والانكليزية وصراعاتها في الحرب العالمية الثانية عبر الأراضي العربية من جهة أخرى، مما كرس فكرة الانتماء القومي لدى النخب العربية.

​في تلك الأثناء، كانت فرنسا على وشك الخروج العسكري من سوريا، لكنها كانت حريصة على اتخاذ مجموعة من الإجراءات لضمان بقاء نفوذها وسيطرتها، وربما العودة مجدداً في وقت لاحق. ومن بين هذه الإجراءات، تشجيع الفكر القومي؛ إذ كانت باريس تدرك سلفاً أن هذا الفكر (بصيغته آنذاك) لن يفضي إلى بناء دولة حقيقية.

​وكان الدافع الفرنسي وراء دعم هذا التيار هو الخوف الشديد من صعود تيارات إسلامية تنادي بإعادة الخلافة، التي لم يكن قد مضى على سقوطها (الخلافة العثمانية) سوى ثلاثين عاماً فقط، بالإضافة إلى توجسها من بزوغ حركات إسلامية تسعى للوصول إلى السلطة، مثل الحركة الناشئة في مصر آنذاك المسماة “جماعة الإخوان المسلمين” بقيادة حسن البنا.

​كل هذه التقاطعات السياسية دفعت إلى نشوء حزب البعث تحت الوصاية الفرنسية المبطنة. وما هي إلا شهور قليلة على الجلاء الفرنسي، حتى تم الإعلان رسمياً عن تأسيس الحزب في نيسان 1947، وذلك لكي لا يُقال إنه أُسس في عهد الانتداب الفرنسي، بل في عهد الاستقلال.

Screenshot

​من الفكر إلى الثكنات: زواج الجيش والعقيدة

​بدأ البعث كحزب للنخبة؛ حزب للأساتذة، والمثقفين الثوريين، والقوميين الحالمين. لكن، مع بدء دوامة الانقلابات العسكرية في سوريا، اكتشف الجميع حقيقة براغماتية مريرة: لا يمكن الوصول إلى السلطة عبر شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، بل عبر الدبابات والجيش. فمن يسيطر على الجيش، يسيطر بالضرورة على الدولة.

​هنا، بدأ الحزب استراتيجية استقطاب الضباط، وكانت هذه الخطوة هي أول إسفين يُدق في نعش الدولة السورية الحديثة؛ حيث جرى “زواج” قسري بين الجيش والقومية العربية، ليولد من هذا القران مولود مشوه أسموه “الجيش العقائدي”. وبناءً على هذه الصفة الجديدة، تحول العسكر من حماة للحدود إلى منظرين، ومفكرين، وقادة للدولة والمجتمع.

حافظ الأسد، وصلاح جديد، وانقلاب عام 1963 الذي أنهى سيطرة الحزب على الجيش واستبدلها بسيطة الجيش على الحزب بالكامل.. بالإضافة إلى تفاصيل زيارة الأسد الغامضة إلى بريطانيا.. هذا ما سنعرضه بالتفصيل في المقال القادم

1_ملاحظة لايتحمل الموقع مسؤولية الأفكار والاسماء الواردة في المقال ولايتبناها وإنما تقع على مسؤولية كاتبها

2_المقال مكتوب بلهجة محلية تمت إعادة صياغته باللغة الفصحى بمساعدة برنامج ai

يتبع…

شاهد أيضاً

حدث في متل هذا اليوم 11 حزيران/ يونيو 1932انتُخب محمد علي العابد أول رئيس لسوريا في عهد الجمهورية

متل اليوم ب 11 حزيران/ يونيو 1932انتُخب محمد علي العابد أول رئيس لسوريا في عهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *