داخل مكتب الرئيس 2
سامر حبيب
ذكرتُ في المقال الأول أن هذا النوع من المقالات يعتمد على التحليل من خلال فهم النمط، والاعتماد على بعض المعلومات شريطة صحتها. إنني مطالبٌ — وهذا حق للمتابعين — بتوضيح المصادر؛ وأقول “توضيح” وليس مجرد “ذكر”، لأن المصادر نفسها بحاجة إلى الشرح والتمحيص للتأكد من مصداقيتها. والمراجع المكتوبة والموثقةفي عُرف المثقفين والمختصين، من المعروف أنك إذا أردت أن تفهم سوريا وحافظ الأسد، فعليك بقراءة مراجع أساسية، تتباين في حياديتها ومصداقيتها. :كتاب «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط» للكاتب البريطاني باتريك سيل: ،من المعروف ضمن الأوساط السياسية أن الكاتب كان منحازاً لوجهة نظر حافظ الأسد وميالاً لتبني أفكاره، لذا لا يُعتبر كتابه مؤلَّفاً أكاديمياً حقيقياً. كتاب «الصراع على السلطة في سورية» للكاتب الهولندي نيكولاس فان دام: يقدم الطرح الأكثر مصداقية وحيادية في هذا الشأن. المذكرات السياسية: مثل مذكرات عبد الحليم خدام، ومذكرات مصطفى طلاس. كتاب «عشرة أعوام مع حافظ الأسد» ل بثينة شعبان.كتاب «سوريا: ثورة من فوق»: كتاب مهم صدر حديثاً لكاتب اسكتلندي متخصص في شؤون الشرق الأوسط وسوريا. كتاب «الأسد أو نحرق البلد» للكاتب والصحفي الأمريكي من أصول لبنانية سام داغر.
إن قراءة كل هذه المراجع من شأنها أن تدخلك إلى عالم حافظ الأسد وتتغلغل في عقله لتدرك حقيقة ما حدث.المصدر الأهم: ذاكرة المكتب الرئاسي لكنني كنت أملك مصدراً هو أهم من هؤلاء جميعاً؛ شخصٌ رافق حافظ الأسد بشكل مباشر، وكان كاتب خطاباته، وواضع الصيغة النهائية باللغة العربية الفصيحة لجميع القوانين والمراسيم، فضلاً عن كونه رئيساً لاتحاد الطلبة، وعضواً في مجلس الشعب، ووزيراً للدولة لشؤون رئاسة الجمهورية؛ وهو الدكتور هيثم ضويحي (أبو جهاد).

عرفته عن قرب وكنا صديقين مقربين في السنتين الأخيرتين من حياته قبل أن يتوفى عام 2017. وهو من أبناء محافظة الحسكة، وخريج قسم اللغة العربية، وبعثي قديم. تواجد في القصر الرئاسي بشكل دائم خلال معظم سنوات حكم حافظ الأسد والسنوات الأولى من حكم بشار الأسد، وتحديداً أثناء مرحلة تسلّم وتسليم السلطة في عام 2000.وما أستطيع الشهادة به بشكل شخصي هو أنه كان رجلاً حقيقياً ونزيهاً لم يستغل منصبه أو يستفد منه؛ فلم يكن يملك منزلاً في دمشق، ولا حتى سيارة شخصية، والسيارة من نوع (BMW) التي كانت بحوزته مُنحت له كعهدة مخصصة باعتباره وزيراً سابقاً. كما تعرض لمحاولة اغتيال في ساحة العباسيين برفقة زوجته، وتمت معالجته حينها على نفقة الدولة.
كواليس الخروج من السلطة والعودة :
أما سبب خروجه من دائرة السلطة فكان خلافه الحاد مع عبد الحليم خدام في عام 2003؛ إذ دخل خدام على بشار الأسد وقال له: «إما أنا وإما الضويحي»، وبالتأكيد انحاز بشار الأسد حينها لـ (أبو جمال). وقد اعترف لي الدكتور هيثم لاحقاً بأنه بالغ في الخصومة مع خدام بسبب خلافٍ حول نفقات مالية طائلة جداً كان يسحبها مكتب نائب الرئيس. وبعد انشقاق خدام، عاد الدكتور هيثم مجدداً إلى القصر ولكن بصفة مستشار في رئاسة الجمهورية.أسرار تُروى لأول مرةخلال سنتين من الصداقة — وعلى الرغم من فارق العمر بيننا — حدّثني الدكتور هيثم عن كل ما يعرفه وما حدث أمامه في رئاسة الجمهورية:البنية الأساسية لمؤسسة الرئاسة.ما يجري في مكتب الرئيس وكيفية اتخاذ القرار.شخصية حافظ الأسد وشخصية بشار الأسد عن قرب.أفراد العائلة الحاكمة وعلاقتهم بالمكتب المباشر.علاقة مكتب الرئاسة بالأجهزة الأمنية (المخابرات)، وبالحزب، وبمؤسسات الدولة.داخل مكتب الرئيس، هناك شخص يتواجد بشكل دائم، أمامه سجل وقلم، يدوّن كل ما يدور داخل الغرفة؛ وذلك لأن الرئيس لا يمكنه تذكر جميع الأوامر والقرارات والتوجيهات الشفهية أو الهاتفية التي يوجهها للمسؤولين، والتي تبلغ العشرات يومياً. ولأجل ذلك، يجلس هذا الشخص على مكتب صغير بجانب مكتب الرئيس ليدوّن كل كلمة تُقال، كي يكون الرئيس على دراية كاملة بما أنجزه وقاله طوال اليوم.هذا الشخص، ولسنوات طويلة، كان هو الدكتور هيثم ضويحي نفسه قبل أن يتولى مناصب قيادية لاحقاً؛ ومن هنا، فإنه يُعتبر ذاكرة هذا المكان، والأجدر على رواية حكاية هذا المكتب.فما بين قراءتي لهذه الكتب ومتابعتي لبعض اللقاءات التلفزيونية، وبين مذكرات الدكتور هيثم ضويحي الشفهية التي لم يدوّنها بل رواها لي شخصياً.. أستطيع اليوم أن أروي حكاية هذا المكتب وأنا مطمئن تماماً لمصادري، وأن أنقل لكم وقائع ما كان يجري، وكيف كانت تُدار سوريا من داخل تلك الغرف
.تنويه: المعلومات الواردة في هذا المقال تقع على مسؤولية الكاتب الشخصية، ولا يعبر الموقع بالضرورة عن تبنيه لأي منها.
(يُتبع…)
Alsharq News الشرق نيوز