أكُل بخبز عشان تشبع
عمر الهويدي
كم مرة سمعنا هذه العبارة من أهلنا ونحن نجلس حول مائدة الطعام؟ كانت تُقال ببساطة وعفوية، حتى بدت وكأنها جزء طبيعي من أي وجبة. لكن حين نتأملها اليوم، نكتشف أنها ليست مجرد نصيحة، بل تلخيص لحكاية طويلة عاشتها أجيال كاملة.
في بيوت كثيرة، لم يكن الخبز مجرد رفيق للطعام، بل كان أساس الوجبة. فإذا قلّ الطعام، بقي الخبز حاضراً دائماً. كان الأرخص والأكثر توفراً، ولذلك أصبح الوسيلة الأسهل للوصول إلى الشبع. لم يكن السؤال: هل الطعام متوازن وصحي؟ بل: هل يكفي لسد الجوع؟لهذا ارتبط الخبز في الوعي الشعبي بمعنى أعمق من كونه مادة غذائية. فقد ارتبط مباشرة بالجوع، وبالخوف الدائم من الجوع. كان الشيء الوحيد الذي يستطيع رب الأسرة أن يؤمّنه لأبنائه عندما تعجز اليد عن تأمين بقية الاحتياجات.
فإذا وُجد الخبز شعر الناس أن اليوم سيمضي بسلام، وإن غابت أصناف كثيرة أخرى عن المائدة.ومن هنا جاءت مكانته الخاصة في الثقافة الاجتماعية. فالرجل الذي يستطيع أن يؤمّن ربطة الخبز لبيته كان يُنظر إليه على أنه قادر على تحمّل أعباء الحياة ومواجهة قسوتها. لم تكن الرجولة تُقاس بالرفاهية أو المظاهر، بل بالقدرة على منع الجوع من دخول البيت. لذلك ارتبط الخبز بالكرامة والمسؤولية والقدرة على إعالة الأسرة أكثر مما ارتبط بالطعام نفسه.
ومع الزمن، تحولت عبارة “أكُل بخبز عشان تشبع” من نصيحة مرتبطة بظرف اقتصادي إلى جزء من الثقافة اليومية. حتى اليوم، ما زال كثيرون يشعرون أن الوجبة ناقصة إذا لم يرافقها الخبز، وكأن الإحساس بالشبع لا يكتمل إلا به.فالخبز في مجتمعاتنا لم يكن مجرد منتج غذائي، بل كان الحد الفاصل بين الشبع والجوع، وبين الطمأنينة والقلق. وفي كثير من مراحل التاريخ، كان يمثل الخط الأخير الذي يحول دون السقوط في هاوية الجوع. لذلك لم يكن الخوف من انقطاع الخبز خوفاً من فقدان سلعة استهلاكية، بل خوفاً من اهتزاز أبسط مقومات الحياة نفسها.واليوم، بعد قرار الحكومة تقليص عدد الأرغفة المخصصة للأسر، يكتسب الأمر بعداً يتجاوز الأرقام والتعليمات الإدارية.
فحين يُمسّ الخبز، يُمسّ آخر ما تبقى للفقراء من وسائل الاحتمال. وحين تتقلص الأرغفة، لا تتقلص كمية الطحين فقط، بل تتقلص معها قدرة آلاف العائلات على تدبير يومها بأقل الإمكانات.المفارقة المؤلمة أن العبارة التي رددها الآباء لعقود طويلة: “أكُل بخبز عشان تشبع”، قد لا تعود كافية اليوم.
فالأب الذي كان يعوّض غياب كثير من المواد الغذائية بمزيد من الخبز، يجد نفسه أمام واقع لم يعد فيه الخبز نفسه متاحاً كما كان. وكأن شبكة الأمان الأخيرة التي احتمى بها الفقراء طويلاً بدأت تضيق هي الأخرى.لهذا لا يُنظر إلى الخبز في مجتمعاتنا بوصفه سلعة عادية، لأن قيمته ليست اقتصادية فقط، بل وجدانية أيضاً. إنه حاضر في ذاكرة الجوع، وفي قصص الآباء والأمهات الذين حاولوا حماية أبنائهم من الحرمان بما توفر لديهم. لذلك فإن أي مساس به يُقرأ شعبياً على أنه مساس بأبسط حقوق الناس في العيش بكرامة.
ربما لم يكن أهلنا يقصدون كل هذه المعاني عندما كانوا يرددون تلك العبارة، لكن الكلمات التي تتكرر على ألسنة الناس لعقود طويلة لا تولد من فراغ. كانت عبارة بسيطة تختصر تجربة أجيال كاملة تعلّمت أن تبحث أولاً عن حد الجوع، ثم تفكر بعد ذلك بكل ما عداه.
Alsharq News الشرق نيوز