المطحنة الجيوسياسية:
كيف تدير واشنطن الأسواق بوقود إقليمي؟
أنس الفتيح
تميل القراءات الكلاسيكية السائدة في حقل التحليل السياسي إلى تفسير الأزمات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وفق مقاربات أيديولوجية أو صراعات إقليمية صفرية. لعل أبرز تجليات هذا القصور المعرفي يتجسد في التعاطي مع التوترات المستمرة في مضيق باب المندب واستهداف المنشآت الحيوية في عمق الجزيرة العربية بوصفها مجرد انفلاش عسكري.
بيد أن تفكيك المشهد استناداً إلى أدوات الاقتصاد السياسي الدولي يُظهر مفارقة جوهرية؛ ثمة تقاطع مصالح بنيوي، غير معلن، بين الاستراتيجية الأمريكية العليا والديناميكيات الأمنية المشتعلة في حوض البحر الأحمر. إن إدراك هذه الجدلية يستلزم مغادرة الفرضية التقليدية التي ترى في واشنطن ضامناً للاستقرار الإقليمي، والتحول نحو فهم دورها الجديد بوصفها مديراً احتكارياً للفوضى الجيواقتصادية ومستفيداً رئيساً من هندسة أسعار الطاقة العالمية.
التحول البنيوي لأسواق الطاقة والتكلفة الحرجة للنفط الصخري
شهد سوق الطاقة العالمي منعطفة بنيوية غيرت توازن القوى الدولي، وتحديداً مع النضج التجاري لتقنيات استخراج النفط غير التقليدي، أو ما يُعرف بالنفط الصخري في حقول تكساس والداخل الأمريكي. هذا التحول نقل الولايات المتحدة من موقع المستورد الأكبر والتاريخي المعتمد على أمن خطوط الإمداد في الشرق الأوسط، إلى موقع المنتج والمصدر الأكبر على مستوى العالم. إلا أن هذا الامتياز الإنتاجي يصطدم بعقبة رئيسة تتعلق بالفلسفة الحسابية للاستخراج؛ فالكلفة الهامشية لإنتاج برميل النفط الصخري مرتفعة للغاية بالمقارنة مع النفط التقليدي، إذ تتأرجح العتبة الحرجة لربحية هذه الحقول حول مستويات مرتفعة تفرضها طبيعة التكوينات الجيولوجية ومعدلات النضوب المتسارعة للآبار الحالية.
بناءً على هذه المعطيات، فإن بقاء الأسعار الدولية دون هذه العتبة كفيل بإحداث هزات ارتدادية عنيفة داخل بنية الاقتصاد الأمريكي، مسبباً إفلاس الكارتيلات النفطية، وكساداً في الولايات الصناعية الكبرى، وتآكلاً في القواعد الانتخابية لتيارات اليمين، وتحديداً إدارة ترامب التي تستند إلى تحالفات وثيقة مع كتل الطاقة والمال. في المقابل، يضمن بقاء الأسعار في مستويات مرتفعة تتراوح بين تسعين ومئة وعشرة دولارات تدفق أرباح استثنائية تعيد إنتاج الهيمنة المالية الأمريكية. من هنا، تبرز الحاجة الاستراتيجية إلى صياغة بيئة دولية تسمح برفع القيمة السعرية للمادة الخام دون الاضطرار لتحمل الكلفة السياسية المباشرة لفرض سياسات حمائية جشعة.
ديناميكيات الفوضى المحسوبة وهندسة النطاق السعري الذهبي
وفي دوائر التخطيط الاستراتيجي، يجري توظيف تكتيك الفوضى الجيوسياسية المضبوطة لمعايرة الأسواق الحيوية، وهو تكتيك يجد جذوره النظرية في أدبيات “الفوضى المحسوبة” لليون تروتسكي، والآليات الإجرائية لـ “إدارة الأزمات” التي صاغها مهندس السياسة الواقعية الأمريكية هنري كيسنجر. تقوم هذه المقاربة على فكرة معايرة الاضطرابات الإقليمية بدقة رياضيّة؛ حيث يُستبعد تماماً خيار الاستقرار الشامل الذي يؤدي حتماً إلى تخمة المعروض وتراجع الأسعار العالمية إلى ما دون مستويات الربحية الأمريكية، وفي المقابل يُتلافى خيار الانفجار الإقليمي الكامل والمدمر الذي قد يقود إلى شلل مطلق في الملاحة الدولية وتدمير شامل للبنى التحتية، مما يدفع الأسعار إلى مستويات فلكية تتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد العالمي مسبباً ركوداً تضخمياً يطيح بالإدارات الحاكمة في واشنطن. بناءً على هذا الإرث الكيسنجري، يتمثّل النطاق الذهبي المستهدف في الحفاظ على بيئة رمادية مسترسلة تقع في المنطقة الوسطى بين السلم والحرب التامة، وهي مساحة كفيلة بضخ شحنات مدروسة من القلق في شرايين الملاحة عبر عمليات عسكرية منخفضة الحدة ومتقطعة، مثل إطلاق المقذوفات الصاروخية ومهاجمة ناقلات الشحن بأسلوب حرب العصابات البحرية.
هذا النمط من التهديد المستدام لا يقطع تدفق النفط بالكامل، بل يرفع كلفة الشحن والتأمين البحري بنسب مضاعفة، ويجبر الأساطيل التجارية على اتخاذ مسارات التفافية طويلة، والنتيجة المباشرة هي تقليص المعروض الاقتصادي الفعلي ورفع السعر تلقائياً، في حين تكتفي الإدارة الأمريكية بإظهار القلق الدبلوماسي وتدشين تحالفات عسكرية استعراضية تهدف إلى احتواء التهديد والحفاظ على توازنه لا استئصاله.
المنعطف الفنزويلي والتراتبية الجيوسياسية للاحتواء
ولعل السمة الأكثر دلالة على شمولية الاستراتيجية الأمريكية هي تراتبية العمليات الجيوسياسية عبر الأقاليم، والتي يظهر فيها الهجوم الأوكراني المستمر على مصافي النفط الروسية كحلقة إضافية مكملة وضمن ذات الهندسة الأمريكية الرامية لتجفيف وتطويق الطاقة التقليدية المنافسة. وتثبت القراءة التاريخية للأحداث أن واشنطن لم تبدأ مسار التصعيد الحاد والمباشر ضد المراكز الحيوية الإيرانية إلا بعد إتمام عملية احتواء السيطرة على الأصول النفطية الفنزويلية وإخضاعها للوصاية القانونية والاقتصادية الأمريكية عبر أدوات العقوبات ومصادرة حقوق إدارة الكيانات الكبرى مثل شركة “سيتغو” في هيوستن.
وأثناء تنفيذ تلك المناورة في حوض الكاريبي، ذهبت الأدبيات التحليلية السائدة إلى الفصل التعسفي بين الملفين، مستندة إلى ذريعة تقنية تزعم أن النفط الفنزويلي ذو الكثافة العالية يتسم بصعوبة الاستخراج والتعقيد التكنولوجي في عمليات التكرير، بيد أن الواقع الاستراتيجي كشف عكس ذلك؛ إذ يمثل النفط الثقيل منخفض الكلفة كنزاً جيواقتصادياً لا يمكن تسييله وتحويله إلى مشتقات قابلة للاستهلاك إلا عبر المجمعات التكريرية المتقدمة داخل الأراضي الأمريكية. ومن خلال هذا الربط، أتاحت السيطرة على الهيدروكربون الفنزويلي لواشنطن تأمين بديل استراتيجي جاهز للتدفق، وتجفيف قدرة الأطراف الأخرى على المناورة، قبل الانتقال إلى تفعيل جبهة المواجهة المباشرة أو بالوكالة مع طهران وحلفائها الإقليميين.
كبح التنين الصيني والتخلي عن الحلفاء القدامى في أوروبا
تتعدى أبعاد هذه المطحنة الاقتصادية حدود تأمين عوائد حقول تكساس، لتتحول إلى أداة جيوسياسية شرسة تستهدف الخصوم والحلفاء على حد سواء؛ فالصين، التي تعتمد بشكل حيوي على إمدادات النفط الخليجي لتغذية ماكينتها الصناعية الضخمة، تجد نفسها اليوم المتضرر الأكبر من اشتعال البحر الأحمر. إن إجبار السفن الناقلة المتجهة نحو الموانئ الآسيوية على الالتفاف حول القارة الأفريقية يرفع فاتورة الشحن والإنتاج الصيني، ويمثل آلية خنق أمريكية غير مباشرة لعرقلة مشروع “الحزام والطريق” وكبح الصعود الاقتصادي لبكين دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معها.
وفي المقابل، يكشف هذا المشهد بوضوح عاصف أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تعد معنية بالخطوط الحمر التاريخية لحلفائها القدامى في القارة الأوروبية. إن واشنطن تترك الاقتصاد الأوروبي ينزف تحت وطأة التضخم المستورد وأزمات الطاقة، بل وتستثمر في هذا الانكشاف عبر تدمير قنوات الإمداد الروسية والخليجية لفرض نفطها وغازها المسال الصخري على العواصم الأوروبية بأسعار مضاعفة، مما يؤكد أن البراغماتية الأمريكية الجديدة تقدم المصالح التجارية الضيقة لكارتيلات النفط على حساب أي التزامات استراتيجية تقليدية تجاه القارة العجوز.
معضلة التموضع الإيراني والانسياق الوظيفي غير الواعي
ضمن هذه الهندسة المعقدة، يبدو السلوك الإيراني محاطاً بمفارقة تثير التساؤل؛ فبالرغم من التاريخ الطويل لطهران في إبرام التفاهمات البراغماتية وعقد الاتفاقات السرية تحت الطاولة مع واشنطن عند المنعطفات الكبرى، إلا أن تموضعها الراهن يشي بوقوعها في فخ الوظيفية غير المباشرة. تبدو إيران اليوم وكأنها تنفذ المخططات الأمريكية وتخدم مصالح إدارة ترامب تحديداً، من خلال إطلاق العنان لوكلائها في الإقليم لزعزعة الاستقرار البحري وضمان بقاء أسعار الطاقة في النطاق السعري المرتفع.
ومع ذلك، يصعب الجزم بأن القيادة الإيرانية تدرك الأبعاد الجيواقتصادية الكاملة لهذا الدور؛ بل المرجح أنها تتحرك مدفوعة بحسابات الردع الإقليمي التقليدي والبحث عن أوراق ضغط تفاوضية. هذا الانسياق يعكس نجاح واشنطن في توجيه سلوك الخصوم عبر “هندسة الخيارات” الكيسنجرية، حيث يُترك الطرف الآخر للتحرك بحرية في مسار يبدو له خياراً سيادياً ومقاوماً، بينما يمثل في حقيقته ترساً في آلة مبيعات النفط والتسليح الأمريكية.
الجغرافيا السورية كممر بديل وعقدة ربط إقليمية كامنة
ولا تتوقف مفاعيل هذه الاستراتيجية الشاملة عند حدود الجزيرة العربية، بل تمتد لتخلق ارتدادات مصلحية يمكن للدولة السورية استثمارها ضمن حسابات الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط؛ إذ إن اشتعال البحر الأحمر وتهديد المعابر البحرية في الجنوب، إلى جانب استمرار الاستهداف الأوكراني للمصافي الروسية وضغط الشتاء الأوروبي، يمنح الجغرافيا السورية ميزة استراتيجية كامنة. وتستطيع دمشق توظيف هذا المشهد عبر السعي لإعادة تفعيل الممرات البرية وخطوط الأنابيب، كونه يفرض على التجارة الدولية البحث عن مسارات بديلة ونقاط ربط آمنة بين الشرق والغرب، وهو ما يعزز القيمة الجيوسياسية للموانئ السورية على المتوسط كحاضنة ومحطات استقبال رئيسية لإمدادات الطاقة المتجهة نحو الأسواق البديلة، مما يتيح لها التموضع كعقدة ربط إقليمية ترفع منسوب قدرتها التنافسية في المفاوضات الدولية المتعلقة بإعادة الإعمار وأمن الطاقة المستقبلي.
ميزان الخسائر والأرباح في البورصة الدولية للفوضى
تأسيساً على ما تقدم، يتبدى مشهد الحرب والتوتر في المنطقة بوصفه بورصة دولية تدار بالمسطرة، حيث تتوزع الأدوار بدقة بين رابحين وخاسرين؛ فالقوى المهيمنة تحصد المليارات جراء ارتفاع كلفة الطاقة وازدهار قطاعات التأمين البحري وضخ مبيعات خيالية لشركات السلاح الدولية، بينما تتحمل الشعوب والدول الإقليمية الفاتورة الأكبر، ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن في اليمن والمنطقة من وطأة الأزمات المعيشية والمجاعات، تتبدد الموارد السيادية للدول المجاورة في تأمين الصفقات العسكرية والتغطيات التأمينية الباهظة. وفي الختام، يظهر بوضوح أن ما يبدو على السطح كنزاع مسلح ليس في جوهره سوى آلية ضبط جيو-اقتصادية مصممة بعناية فائقة، ليرتسم الاستنتاج الصادم بأن كلفة الاستقرار والسلام في بعض جغرافيا الشرق الأوسط قد تعني الكساد الاقتصادي والإفلاس في مراكز القرار المالي العالمي.
د. أنس إياد الفتيح
ناشط وكاتب سياسي
Alsharq News الشرق نيوز