الثلاثاء , يوليو 28 2026
الرئيسية / الآن / أبرز ماجاء في مقابلة السيد الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة

أبرز ماجاء في مقابلة السيد الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة

مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن برنامج المقابلة الذي يقدمه الاعلامي السعودي علي الظفيري عبر قناة الجزيرة

استهل الرئيس أحمد الشرع المقابلة بتقديم التعازي لذوي ضحايا حادث التصادم على طريق دمشق–دير الزور، مؤكداً أن المنطقة الشرقية عانت سنوات طويلة من التهميش رغم ما تمتلكه من ثروات بشرية ونفطية وزراعية. وأوضح أن الطريق الواصل بين دمشق ودير الزور لا يزال طريقاً بمسرب واحد، مشيراً إلى أن الحكومة أنجزت الدراسات اللازمة خلال العام الماضي وبدأت مرحلة العروض لإنشاء طريق جديد يربط المدينتين، لكنه أشار إلى أن “مخلفات النظام كبيرة جداً”، وأن الحكومة تعمل على معالجة الواقع تدريجياً، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لمعرفة أسباب الحادث.

رفع العقوبات الأمريكية

قال الشرع إنه التقى بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد قمة الناتو، معتبراً أن إزالة تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب بعد نحو نصف قرن تمثل “إنجازاً كبيراً”، لأنها كانت من أبرز القيود التي تعيق البلاد. وأوضح أن الاتصالات بدأت خلال العام الماضي بوساطة من المملكة العربية السعودية، وبمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لإقناع الإدارة الأمريكية برفع العقوبات المفروضة على سوريا.

وأضاف أن قانون قيصر والعقوبات الأخرى فُرضت بسبب الجرائم التي ارتكبها النظام السابق بحق السوريين، معتبراً أنه “من غير المعقول أن تستمر هذه العقوبات على الشعب الذي كان ضحية تلك الجرائم”. وأشار إلى أن صور ضحايا التعذيب والانتهاكات كانت سبباً رئيسياً في تشريع قانون قيصر، وبالتالي فإن استمرار العقوبات بعد سقوط النظام السابق لم يعد مبرراً، على حد وصفه.

المدة القانونية لإنهاء العقوبات

أوضح الرئيس السوري أن آخر العقبات المتبقية تتمثل في إزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، مبيناً أن هذا الإجراء يدخل ضمن صلاحيات وزارة الخارجية الأمريكية بناءً على توصية من الرئيس الأمريكي، ثم يُحال إلى الكونغرس لمدة 45 يوماً للاعتراض، وليس للتصويت، وبعد انتهاء هذه المهلة يصدر الرئيس الأمريكي القرار النهائي بإلغاء التصنيف. وأضاف أنه يتوقع مرور هذه المرحلة دون اعتراض، لافتاً إلى أن اللقاءات التي جرت مع أعضاء في الكونغرس أظهرت رغبة في إنهاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا.

الضمانات المقدمة لواشنطن

وعن الضمانات التي طلبتها الولايات المتحدة، قال الشرع إنها ترتبط بالأسباب التي فُرضت العقوبات بسببها، موضحاً أن سوريا تعهدت بألا تكون مأوى للتنظيمات الإرهابية، وألا تُستخدم أراضيها لتسهيل نقل السلاح أو الأموال أو احتضان جماعات مسلحة، نافياً وجود أي التزامات تتعلق بلبنان أو بمواجهة حزب الله ضمن ملف رفع العقوبات، ومؤكداً أن هذا الملف منفصل تماماً عن العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.

العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا

أكد الرئيس السوري أن العلاقة الطبيعية لسوريا هي الانفتاح على المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا وأهميتها الاقتصادية والسياسية جعلاها دائماً محط اهتمام دول العالم، إلا أن سياسات النظام السابق أدت إلى عزلها طوال عقود. وقال إن الحكومة الحالية بدأت بإرسال رسائل جديدة إلى المجتمع الدولي، مضيفاً أن هذه الرسائل لاقت استجابة إيجابية ليس فقط من الولايات المتحدة، وإنما أيضاً من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وسائر الدول الأوروبية، إضافة إلى روسيا والصين.

العلاقة مع روسيا

وكشف الشرع أن التواصل مع موسكو بدأ قبل سقوط النظام السابق بأيام، ثم استمر بعد التحرير، موضحاً أن النقاشات تناولت مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، وأن الجانبين توصلا إلى تصور يقضي بإزالة معظم القواعد والإبقاء على قاعدة حميميم وجزء من منشآت طرطوس، مع استمرار المباحثات حول التفاصيل النهائية.

وأشار إلى أن العلاقات بين سوريا وروسيا لا تقتصر على النظام السابق، وإنما تمتد إلى عقود طويلة منذ عهد الاتحاد السوفيتي، موضحاً أن جزءاً من الأمن الغذائي السوري كان مرتبطاً بالإنتاج الزراعي الروسي، كما أن قطاع التسليح السوري ومنظومة الطاقة اعتمدا لسنوات على التعاون مع موسكو. وقال إن الحكومة تسعى للحفاظ على ما يخدم المصالح السورية، مع تصحيح مسار العلاقة لتصبح علاقة بين دولتين تحترمان مصالحهما واتفاقاتهما المتبادلة. وأضاف أن الجانب الروسي تفهم خسارة حليفه السابق، وسارع إلى فتح صفحة جديدة مع سوريا.

لبنان أولوية أمنية لسوريا

قال الرئيس أحمد الشرع إن استقرار لبنان يمثل مصلحة مباشرة لسوريا، لأن الحدود البرية المشتركة تجعل ما يصيب لبنان ينعكس على سوريا، كما أن ما شهدته سوريا خلال السنوات الماضية ترك آثاراً سلبية على الواقع اللبناني. وأضاف أن البلدين يرتبطان بمصالح استراتيجية لا يمكن فصلها، ولذلك فإن دمشق تخشى أي انفجار داخلي في لبنان لما قد يترتب عليه من تداعيات أمنية وسياسية على سوريا.

وأوضح أن سوريا تعمل مع الحكومة اللبنانية للبحث عن حلول تمنع انزلاق لبنان إلى حرب أهلية أو إلى احتلال إسرائيلي، معتبراً أن لبنان يمكن أن يستفيد من “حالة النهضة” التي تشهدها سوريا حالياً، ومن الانفتاح الإقليمي والدولي عليها.

موقفه من سلاح حزب الله

أكد الشرع أن تجربة وجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة خلال العقود الماضية أثبتت نتائج “سلبية وكارثية”، مشدداً على دعمه حصر السلاح بيد الدولة وأن تكون هي الجهة الوحيدة المخولة بتطبيق القانون واتخاذ قرار السلم والحرب. وقال إن بقاء جهة مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة يؤدي إلى خلل دائم في الاستقرار.

وأضاف أن حزب الله شارك خلال السنوات الماضية في الحرب داخل سوريا، وتسبب في تهجير وقتل عدد كبير من السوريين، معتبراً أن انتقال عناصره بين سوريا ولبنان مع احتفاظهم بالسلاح خارج إطار الدولة يفرض ضرورة التوصل إلى معالجة سياسية وأمنية تمنع اندلاع حروب جديدة، وتجنب في الوقت نفسه الإبقاء على الوضع القائم أو الذهاب إلى حلول مؤقتة لا تصمد طويلاً.

دعم الدولة اللبنانية

ورداً على سؤال بشأن تعهد الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة، قال الشرع إن سوريا تسعى إلى تمكين الدولة اللبنانية من الوفاء بالتزاماتها، عبر تقديم ما لديها من أوراق وعوامل مساعدة، من دون أي تدخل عسكري. وأضاف أن اتفاق الطائف يمثل الوثيقة المرجعية للدولة اللبنانية، وينص بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة، وأن دمشق تدعم تنفيذ هذا الاتفاق وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية.

المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية

أكد الرئيس السوري أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل منفصلة تماماً عن أي تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب، معرباً عن تشاؤمه إزاء فرص نجاحها، بسبب ما وصفه بوجود “ثغرات كثيرة”. وأضاف أنه لا يستبعد حصول تصعيد مستقبلي نتيجة ارتباط حزب الله بإيران، معتبراً أن سياسة إنشاء كيانات مسلحة خارج سلطة الدول وربطها بقوى إقليمية شكلت أحد أبرز أسباب عدم الاستقرار في المنطقة.

العلاقة مع إسرائيل

قال الشرع إن إسرائيل ارتكبت تجاوزات عديدة بحق سوريا ولبنان، وإنها تمتلك أيضاً “مطامع في المنطقة”، مؤكداً في الوقت نفسه أن دمشق تعمل دبلوماسياً للوصول إلى اتفاق أمني يحد من التصعيد ويضمن مصالح سوريا، مع تجنب الدخول في صراعات عسكرية جديدة. وأضاف أن السياسة السورية الحالية تقوم على عدم تكرار أخطاء العقود الماضية، والبحث عن مقاربات أكثر أمناً تتيح لشعوب المنطقة فرص النمو والازدهار.

وأوضح أن أي انتقال إلى مرحلة أوسع من العلاقات مع إسرائيل مرتبط أولاً بنجاح الاتفاق الأمني والتزام الطرفين به، مع التأكيد أن ذلك لا يعني التنازل عن حق سوريا في الجولان المحتل. كما أكد دعم سوريا للمسار العربي الرامي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن العقبات والخروقات الإسرائيلية لا تزال قائمة، رغم انخفاضها مقارنة بالفترة السابقة، وأن دمشق تواصل تحركاتها الدبلوماسية بالتعاون مع دول المنطقة والمجتمع الدولي للدفع نحو حلول سلمية.

الحرب الإيرانية – الأمريكية

قال الشرع إن القيادة السورية حاولت خلال الفترة الماضية تجنيب البلاد الانخراط في الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، معرباً عن أمله في ألا تتوسع الحرب إقليمياً، لكنه رأى أن طريقة إدارة الصراع قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. وأضاف أن لدى بعض دوائر الحرس الثوري الإيراني، بحسب وصفه، قناعة بوجود “أحقية” لإيران في الخليج العربي ومناطق أخرى، وهو ما اعتبره أحد مصادر التوتر الإقليمي. كما أشار إلى أن سوء التواصل بين المفاوضين الإيرانيين وصناع القرار، إلى جانب الظروف الأمنية داخل إيران، أسهم في تعثر التفاهمات الأخيرة مع الولايات المتحدة.

العلاقات مع دول الخليج

أكد الرئيس السوري أن سوريا تعتبر نفسها جزءاً من المنظومة العربية، وأنها ملتزمة بما يصدر عن جامعة الدول العربية، مضيفاً أن الأمن الاستراتيجي بين سوريا ودول الخليج والعراق والأردن مترابط. وقال إن العلاقات مع السعودية وقطر والإمارات والكويت “جيدة”، وإن هذه الدول بادرت إلى فتح صفحة جديدة مع دمشق، سواء على المستوى السياسي أو الاستثماري، مشيراً إلى أن مشاريع استثمارية بدأت بالفعل داخل سوريا.

العلاقات مع العراق

ووصف الشرع العلاقات مع العراق بأنها “في تحسن”، موضحاً أن دمشق اختارت منذ البداية التواصل مع الحكومة العراقية باعتبارها الجهة الشرعية، رغم مشاركة فصائل عراقية في القتال داخل سوريا خلال السنوات الماضية. وقال إن العلاقات بين البلدين يجب أن تُبنى على المصالح المشتركة، نظراً لوجود امتداد عشائري واجتماعي واقتصادي بين الشعبين، إضافة إلى حاجة كل طرف لموارد الطرف الآخر.

وأشار إلى أن سوريا تنظر بقلق إلى وجود فصائل مسلحة لا تخضع بالكامل للقانون العراقي، لكنها فضلت معالجة هذه المخاوف عبر التواصل المباشر مع الحكومة العراقية، مذكراً بأنه أجرى اتصالات مع رئيس الوزراء العراقي خلال معركة تحرير دمشق لتوضيح طبيعة الأحداث ومنع اتخاذ قرارات قد تضر بالبلدين.

فلسفة السياسة الخارجية

واختتم هذا المحور بالتأكيد أن سياسة الدولة السورية لا تقوم على الانتقام أو الصدام، بل على بناء علاقات قائمة على المصداقية والثقة مع جميع الدول. وقال إن الحكومة كانت صريحة مع مختلف الأطراف بشأن مخاوفها وأهدافها، وإن هذا النهج كان أحد أسباب نجاح العلاقات الجديدة التي بنتها سوريا خلال المرحلة الماضية، مؤكداً أن “المصداقية هي التي تورث الثقة”.

الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والعدالة الانتقالية
الاستثمارات الخليجية

أكد الرئيس أحمد الشرع أن الحكومة لا تبحث عن مساعدات مالية بقدر ما تسعى إلى جذب الاستثمارات، موضحاً أن عدداً من المشاريع الاستثمارية بدأ بالفعل داخل سوريا، إلا أن المشاريع الاستراتيجية تحتاج إلى وقت لإعداد الدراسات اللازمة وضمان نجاحها. وأضاف أن معظم هذه المشاريع تنفذها صناديق استثمارية وشركات مساهمة، الأمر الذي يتطلب دراسة دقيقة قبل التنفيذ، مؤكداً حرص الحكومة على نجاح أي استثمار يدخل البلاد لأن فشل أي مشروع سينعكس سلباً على ثقة المستثمرين الآخرين.

وأوضح أن الاستثمارات الحالية تشمل إنشاء محطات جديدة للطاقة، ومشروعات في المطارات، منها استثمار سعودي في أحد المطارات واستثمار قطري–تركي في مطار آخر، إضافة إلى مشاريع عقارية وسياحية واسعة في دمشق وحلب وتدمر والساحل السوري واللاذقية وطرطوس وأرياف دمشق.

إصلاح البيئة الاقتصادية

وقال الشرع إن الحكومة تعمل على إعادة صياغة قوانين الاستثمار وإصلاح المنظومة القانونية والمصرفية، بالتنسيق مع دول الخليج، معتبراً أن أكبر استثمار يمكن أن تستفيد منه سوريا هو الاستفادة من التجارب الناجحة التي مرت بها تلك الدول وتجنب الأخطاء التي واجهتها. وأضاف أن ما يلمسه من قادة ومسؤولي دول الخليج يتجاوز مجرد الرغبة في الاستثمار إلى وجود “محبة واضحة لسوريا الجديدة”.

مشاريع الطاقة

وأشار الرئيس السوري إلى وجود مشاريع قيد النقاش تتعلق بربط أنابيب النفط العراقية وتصديرها عبر ميناء بانياس، مع العمل على ربطها أيضاً بميناء طرابلس اللبناني، بما يحقق منفعة مشتركة لسوريا ولبنان. وأضاف أن الخطط تشمل أيضاً إنشاء مصافٍ جديدة، وتطوير شبكة الأنابيب الداخلية بين الحقول النفطية ومرافئ التصدير.

الوضع المالي والموازنة

وفي معرض حديثه عن الوضع المالي، أوضح الشرع أن الأرقام المتعلقة بارتفاع الموازنة تحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن السنوات الأولى بعد سقوط النظام شهدت معالجة اختلالات متراكمة، وليس نمواً اقتصادياً كاملاً. وقال إن حسن إدارة المال العام هو الأساس في تحقيق العوائد، معتبراً أن المهم هو استمرار المؤشرات بالاتجاه التصاعدي حتى وإن كان النمو بطيئاً في البداية. وأضاف أن جزءاً من التحسن المالي يعود إلى سد الثغرات التي كانت قائمة أكثر من كونه نمواً اقتصادياً كاملاً.

التحديات الاقتصادية

وأشار الشرع إلى أن المواطنين ما زالوا يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بالكهرباء وفرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن معالجة الاحتياجات المتراكمة لا يمكن أن تتم دفعة واحدة. وقال إن النظام السابق ترك اقتصاداً يعاني من فساد واسع، شمل تجارة المخدرات وغسل الأموال والشركات الوهمية، فضلاً عن تراجع الإنتاج وقطاع الطاقة والصناعة.

وأضاف أن الحكومة تمكنت منذ بداية عام 2025 من إعادة تشغيل نحو 3700 خط إنتاج، مع استمرار منح التراخيص الصناعية، متوقعاً تسجيل أرقام أعلى مع نهاية عام 2026، بما ينعكس على زيادة فرص العمل وتحسن الإنفاق الحكومي. كما أشار إلى تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل الطرق والبنية التحتية والقرى المتضررة، إضافة إلى إصلاح المشافي وقطاع الطاقة والحقول النفطية، معتبراً أن هذه المشاريع ستوفر عوائد اقتصادية كبيرة تدريجياً.

تجربة إدلب

قال الشرع إن تجربة إدارة إدلب قبل سقوط النظام شكلت نموذجاً عملياً لإدارة المناطق المحررة، رغم محدودية الإمكانات ووجود نحو أربعة ملايين نسمة فيها. وأوضح أن السلطات آنذاك أنشأت طرقاً ومدينة صناعية ومدينة سكنية وأسواقاً ومجمعات تجارية، واعتمدت نظاماً اقتصادياً مصغراً حقق نتائج إيجابية على مستوى بناء المؤسسات والخدمات.

إعادة بناء مؤسسات الدولة

وفي حديثه عن مؤسسات الدولة، قال الرئيس السوري إن عملية الإصلاح بدأت منذ الأيام الأولى بعد التحرير، إلا أنها تحتاج إلى وقت، معتبراً أن “إصلاح الركام أصعب من البناء من الصفر”. وأضاف أن الحكومة تعمل على تطوير الحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي، إلى جانب تغيير ثقافة العمل داخل مؤسسات الدولة، والتركيز على تقديم الخدمات الأساسية وفق ترتيب الأولويات، لأن حل جميع المشكلات في وقت واحد أمر غير ممكن.

رؤية النظام السياسي

أكد الشرع أن الحكومة تتجه نحو توسيع مشاركة المواطنين في اختيار الحكام والقوانين التي تنظم شؤونهم، مشيراً إلى أن مجلس الشعب بدأ أولى جلساته، معتبراً أن البلاد تسير في “الاتجاه الصحيح”. وأضاف أنه لا يؤيد استنساخ النماذج السياسية أو الاقتصادية الأجنبية بشكل كامل، بل يفضل الاستفادة من التجارب العالمية واختيار ما يتناسب مع الواقع السوري، مؤكداً أن مسؤولية إدارة الدولة لا تقع على الرئيس وحده، وإنما على فريق كامل من المؤسسات والمسؤولين.

إعادة الإعمار

قال الرئيس السوري إن إعادة إعمار سوريا ستكون مهمة صعبة، لكنه أبدى ثقته بقدرات السوريين، مؤكداً أن أبناء البلاد نجحوا في بناء اقتصادات ومؤسسات في دول عديدة، وأن الخبرات التي اكتسبوها في الخارج ستنعكس إيجاباً على عملية إعادة الإعمار عند عودتهم. وأضاف أن أجيالاً سورية جديدة تخرجت من جامعات عالمية واكتسبت خبرات متنوعة، وأن حالة الانتماء إلى الوطن لا تزال قوية لدى معظم السوريين.

عودة اللاجئين

وأوضح الشرع أن سوريا استقبلت خلال العام والنصف الماضيين أكثر من 3.4 ملايين شخص بين لاجئ ونازح، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر منهم عاد للاستقرار داخل البلاد. وأكد أن فرص العمل ستزداد مع استمرار المشاريع الاستثمارية، وأن تحسن الأوضاع الاقتصادية سيدفع مزيداً من السوريين المقيمين في الخارج إلى العودة تدريجياً، رغم إدراكه أن كثيرين أعادوا بناء حياتهم في بلدان اللجوء.

العدالة الانتقالية

وفي ملف العدالة الانتقالية، أعلن الشرع تشكيل هيئة خاصة للبحث عن المفقودين وفق معايير دولية، موضحاً أنها استفادت من تجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة، وأنها تعمل وفق نظام قانوني ومهني وبالاستعانة بخبرات دولية وأدلة البحث الجنائي.

ووصف ما اكتشفته الجهات المختصة حتى الآن بأنه “يفوق التصور”، قائلاً إن حجم الانتهاكات التي تعرض لها السوريون كان أكبر مما كان متوقعاً، وإن النظام السابق تعامل مع الشعب “وكأنه عدو”، مشيراً إلى أن السجون والمشافي تحولت إلى أماكن لانتهاكات واسعة طالت النساء والأطفال والرجال.

وأكد الرئيس السوري أن محاسبة رموز النظام السابق مستمرة ضمن إطار القانون، مشدداً على أن الدولة لا تسعى إلى الانتقام، وإنما إلى تحقيق العدالة. وقال إن من حق الضحايا التعبير عن غضبهم والمطالبة بحقوقهم، لكن الدولة ملزمة بتطبيق القانون وحماية السلم الأهلي، مضيفاً أن “الدولة هي ولي الدم”، وهي الجهة المخولة بإنفاذ العدالة واسترداد الحقوق مع منع تحول العدالة إلى انتقام.

الملف الكردي واحتكار السلاح وهوية سوريا ومستقبلها
الملف الكردي

فرّق الرئيس أحمد الشرع بين المكوّن الكردي و”قسد”، مؤكداً أن الأكراد جزء أساسي من النسيج السوري ولهم انتشار واسع في مختلف المحافظات، ولا يجوز اختزالهم بتنظيم أو جهة عسكرية. وأشار إلى أن جزءاً من الأكراد حُرموا من الجنسية السورية في عهد النظام السابق، ولذلك أصدرت الحكومة مرسوماً يمنحهم حق المواطنة والجنسية، مضيفاً أن أعداداً كبيرة حصلت بالفعل على الجنسية، إلى جانب الاعتراف بحقوقهم الثقافية، واعتماد عيد “نوروز” عيداً وطنياً رسمياً في سوريا.

وأوضح أن قضية “قسد” تختلف عن القضية الكردية، واصفاً إياها بأنها تنظيم مسلح نشأ في ظروف مرتبطة بالحرب على تنظيم “داعش” ووجود التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا. وقال إن الحكومة سعت إلى فصل المسارين وعدم ربط القضية الكردية بمصير “قسد”، مشيراً إلى توقيع عدة اتفاقات في السابق لم يُلتزم بها، قبل التوصل إلى اتفاق أخير قال إنه أصبح أكثر التزاماً بعد العمليات العسكرية الأخيرة، مضيفاً أن تطبيق الاتفاق لا يزال يسير ببطء، لكنه يشكل أساساً يمكن البناء عليه.

احتكار السلاح بيد الدولة

أكد الشرع أن السياسة السورية تقوم على تجنب أي صدام داخلي، وأن الدولة تبذل كل ما تستطيع لمنع تحول الخلافات إلى مواجهات مسلحة، مشيراً إلى أن ما جرى في السويداء كان أحد الأمثلة على هذا النهج، حيث قال إن الحكومة سعت إلى منع انزلاق الأوضاع نحو الحرب، معتبراً أن الأمور تسير بصورة جيدة.

وأضاف أن سوريا خرجت من إرث امتد ستين عاماً، وأن بعض الأشخاص ارتبطت مصالحهم بتجارة المخدرات أو الاحتفاظ بالسلاح أو الاحتماء بالطائفة أو العِرق، إلا أن الدولة ماضية في مشروعها القائم على احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية وحدها. وأكد أن هذا التوجه يحظى، بحسب قوله، بتأييد جميع الدول التي تواصلت معها دمشق، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، لأنها جميعاً ترى أن استقرار سوريا يتطلب دولة تحتكر استخدام القوة والسلاح.

هوية الدولة السورية

وفي معرض حديثه عن هوية سوريا، قال الشرع إن هوية البلاد “سورية”، معتبراً أن إدخال تعريفات فلسفية أو أيديولوجية على مفهوم الدولة قد يؤدي إلى التشتت. وأضاف أن سوريا يجب أن تكون “مثل سوريا”، أي دولة تستند إلى تاريخها وحضارتها ورؤيتها الخاصة للمستقبل، دون أن تُقيّد نفسها بقوالب فكرية أو ثقافية مستوردة.

مكانة سوريا الإقليمية والدولية

قال الرئيس السوري إن السياسات التي اتبعتها الحكومة خلال العام ونصف العام الماضيين بدأت تعيد لسوريا دورها الطبيعي، معتبراً أن الموقع الجغرافي والثقافي، إلى جانب الموارد البشرية، يمنح البلاد مقومات تؤهلها لاستعادة مكانتها الإقليمية والدولية. وأضاف أن سوريا تمتلك قدرة كبيرة على إدارة شؤونها إذا أُحسن استثمار هذه المقومات.

متى تبدأ النهضة؟

ورداً على سؤال بشأن المدة الزمنية اللازمة لتحول سوريا إلى نموذج تنموي ناجح، قال الشرع إن تجارب الدول التي حققت نهضة اقتصادية، مثل سنغافورة ورواندا، أظهرت أن التحولات الكبرى تحتاج عادة إلى ما بين 20 و25 عاماً حتى تظهر نتائجها بشكل واضح، مؤكداً أن النهضة الاقتصادية عملية تراكمية تتطلب الوقت والاستقرار واستمرار العمل.

اختتم الرئيس الشرع الجزء الأول من المقابلة بالتأكيد أن مشروع الدولة السورية يقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق التنمية الاقتصادية، وترسيخ العدالة وسيادة القانون، مع انتهاج سياسة خارجية تقوم على الانفتاح وبناء العلاقات مع مختلف الدول، والسعي إلى استعادة الدور الطبيعي لسوريا إقليمياً ودولياً، معتبراً أن نتائج هذه السياسات ستظهر بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة.

المقابلة تفريغ وتلخيص الصحفي السوري منار عبد الرزاق

شاهد أيضاً

سوريا والعراق توقعان مذكرة تفاهم لإعادة بناء وتأهيل خط أنابيب كركوك بانياس

العراق سوريا الشرق نيوز توصلت الحكومتان السورية والعراقية إلى اتفاق حول إعادة تأهيل خط نفط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *