العودة إلى المراهقة
مازن عثمان أبو خديجة
عادت بي الذاكرة وأنا أتابع مباريات كأس العالم الجارية، ومع اقتراب البطولة من نهايتها، إلى تلك البطولات والدوريات اليومية التي كنا نخوضها في شوارع وحارات سوريا .
تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام التي كنا نذهب فيها إلى ملاعبنا وملاذنا الآمن حيث يلتقي أبناء المنطقة في الملعب المزدحم بالسيارات والمحلات .
وقت العصر كان خيارنا المفضل للعب حين تخلو المنطقة من المارة لنحظى بمساحتنا الخاصة، لتحقيق أحلامنا وطموحاتنا التي رسمناها في مخيلتنا لهذه المباراة .
يبدأ التجمع لهذا الحدث المهم مثل اي بطولة منظمة لا بد من حضور الجمهور والحكم والجهاز الفني والإداري والتغطية الإعلامية. ثم يأتي الشخص الأهم على الإطلاق في هذا الحدث الكروي و (صاحب الكرة) الذي يتمتع بميزات المشرف والمدرب فهو من يضع الخطط والقوانين ويوجه الجماهير، ويقسم الفرق، ويختار الفريق الذي يريد أن يلعب معه وجهة اللعب التي يرغب فيها . وهو من يحدد موعد بدء المباراة وانتهائها، وحتى يبقى معنا كنا نغضب لغضبه ونفرح لفرحه، وإذا غضب نهرع جميعاً لتهدئته فهو صاحب الكرة،ونبدأ بمدحه فهو وإن لم يكن يجيد اللعب يجب أن يسمع أن لديه مهارات كروية وذاكرة حديدية وذكاء قل نظيره في الساحات الرياضية هو خليط بين رونالدو الظاهرة وماردونا وخليط بين رونالدو البرتغالي وميسي استطاع ان يجمع بين الريال وبرشلونة نعم يا صاحبي إنه ( صاحب الكرة) فهو اللاعب والحكم لا تكتمل اللعبة بدونه بل لا توجد بطولة أو لعبة من دون وجوده .
مشهد آخر
ننتقل هنا إلى المدرسة من المرحلة الإبتدائية مروراً بالإعدادية وصولاً إلى الثانوية . وهنا يأتي دور شخص آخر يشبه دور صاحب الكرة وهو “ابن المعلمة” الذي كان الشخصية الأهم في الصف فهو من يوزع مقاعد الطلاب ويضع نظام انتخاب العرفاء ويحدد من سيترشح لهذا المنصب المرموق.
وفي حال رفض الطلاب هذا النظام (الديمقراطي) وعدم موافقتهم عليه يتحول من أسلوب الاحتواء إلى أسلوب التلويح بالعصا الناعمة التي تعد من أبرز أساليب النقاش المتحضر، فهي التي تطرد الهواجس التي تحاول منع الطلاب من ممارسة حقوقهم و اختيار من يريدون بحرية وضمير.و إذا لم يستو هذا الأمر بالعصا كان لا بد من استخدام الدواء الشافي الذي ينصح فيه في جميع المصحات المتطورة وهو إخفاء هذا الصوت الممسوس المغيب لصوت العقل، و ذلك عن طريق نقل الطلاب من صف ابن المعلمة إلى صف آخر لا يوجد فيه أبناء معلمة ليتم تطهير الصف من هذه الشعوذة والتصرفات الغريبة الغير متحضرة والتي لا تستطيع بناء الصفوف فكيف لها أن تبني الأوطان والشعوب بالمستقبل .وهكذا ينتصر ابن المعلمة بالحجة والبرهان على زملائه ويظفر بهذا المنصب العظيم .
مشهد آخر
شركة عامة يديرها مدير متسلط ورث إدارتها عن أحد أقاربه. قام مجموعة من الموظفين في هذه الشركة بتنظيم احتجاجات لتغيير المدير المتغطرس ومن الطبيعي أن ينقسم الموظفون بين مؤيد للمدير ومعارض له ومن الطريف والمستغرب أن نجد بعض الموظفين يقفون ضد رفاقهم ويدافعون بشدة عن هذا المدير على الرغم من أنهم يعيشون ذات المعاناة .تتصاعد الاحتجاجات وتتطور حتى تنتصر على أيدي الموظفين المحتجين ويتم اختيار أحدهم مديرا جديدا للشركة.
يبدأ المدير الجديد بوضع خطة استراتيجية لتطوير الشركة ويشكل مجلس إدارة منتخب ثم يُطلب منه تعيين جزء من هذا المجلس للحفاظ على كفاءته وعدم استبعاد أي كفاءة تساعد في نهضة الشركة بالفعل تُجرى الانتخابات وفق معايير صارمة تمنع وصول أي شخص كان متحالفا مع المدير السابق .
ويُعزز هذا المجلس بأشخاص يرشحهم أصدقاء المدير الجديد الذين ساهموا في انتصار الاحتجاجات .ليفاجأ الجميع بوصول أشخاص كانوا بالأمس من رفاق المدير القديم وآخرون لايملكون مؤهلات تجعل منهم أهلاً لهذا المكان يسود الصمت بين الموظفين حتى يقول أحدهم: لقد أحسن العمل حتى لو كان فيه بعض الأخطاء .
وهذا لا يدل إلا على الحنكة والقوة فلا يستطيع القيام بهذه التصرفات إلا شجاع لا يخشى الخطأ بل على العكس فهو يسعى لنقل الشركة من العقلية القديمة المليئة بالضوابط الصارمة (حتى لو كانت هذه الضوابط مطلبه الرئيسي) إلى عقلية أكثر مرونة .ومن هنا يأتي المثل المعروف : لكل مجتهد نصيب .
دعكم من المشهد الثالث فهو من الخيال ولنعد إلى المشهدين الأول والثاني لنكتشف أن صاحب الكرة (وهو ابن أحد أغنياء الحارات والشوارع) هو نفسه ابن المعلمة في تلك المدارس ليجمع بين المال والسلطة وهذا ما جعله محبوبا لدينا.ثم دعك من هذا و لنعد إلى كأس العالم ولننتظر معا فوز الفريق الذي تشجعه .
مازن عثمان أبو خديجة
Alsharq News الشرق نيوز