في الحديث عن الدولة والسياسة
عمر الشيخ إبراهيم
كيف يمكن أن يصبح موضع جدل سؤالٌ بديهي، مثل: أيهما أفضل، الديمقراطية أم الدكتاتورية؟ أو: هل الدولة المدنية أفضل أم الدولة العسكرية؟
وبالمنطق ذاته، كيف يمكن أن يصبح وجود حياة حزبية وسياسية موضع تشكيك، وكأن الأحزاب ترفٌ سياسي وليست إحدى ركائز الدولة المدنية؟
في بلد كسوريا، بتنوعه الجغرافي والإثني، وبعد أكثر من خمسة عقود من تجفيف المجال السياسي، لا يمكن تصور بناء دولة مستقرة من دون إعادة بناء المجال العام الذي يلتقي فيه المواطنون خارج انتماءاتهم الأولية.
فالأحزاب السياسية ليست مجرد أدوات للوصول إلى السلطة، بل هي مؤسسات لتنظيم المصالح، وإدارة الاختلاف، وتحويل الصراع من الشارع إلى المؤسسات.
يرى عالم السياسة صموئيل هنتنغتون، في كتابه النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة، أن الاستقرار لا يتحقق بإلغاء السياسة، وإنما ببناء مؤسسات سياسية قوية وقادرة على استيعاب التنافس الاجتماعي.
ويذهب إلى أن ضعف المؤسسات السياسية أخطر على استقرار الدولة من كثرة المطالب السياسية نفسها.
ومن زاوية أخرى، يبين فرانسيس فوكوياما في كتاب النظام السياسي والانحطاط السياسي أن بناء الدولة لا يتعارض مع التعددية السياسية، بل إن الدولة الحديثة تقوم على ثلاثة أعمدة متكاملة: دولة قوية، وسيادة القانون، والمساءلة السياسية. ولا يمكن لأي ركن منها أن يعوض غياب الآخر.
وفي الدول الخارجة من النزاعات، تؤكد أدبيات بناء السلام، ولا سيما أعمال الباحث رولاند باريس، أن الانتقال السياسي الناجح يتطلب التوازن بين بناء مؤسسات الدولة وفتح المجال السياسي بصورة تدريجية ومنظمة. فالتسرع غير المدروس قد يهدد الاستقرار، لكن إغلاق المجال السياسي بالكامل لا يقل خطورة، لأنه يدفع الصراع إلى خارج المؤسسات ويعيد إنتاجه بأشكال أكثر حدة.
ولهذا، يمكن تفهم الرأي القائل إن المرحلة الانتقالية قد تستوجب إعطاء الأولوية لترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، وبناء الإدارة العامة، على أن يكون ذلك ضمن جدول زمني واضح ينتهي بإطلاق حياة حزبية حقيقية وإقرار قانون عصري للأحزاب. فالتدرج في الانفتاح السياسي يختلف جذريًا عن رفض السياسة أو تجريمها.
أما تحويل المطالبة بالحياة الحزبية إلى تهمة، أو تصوير المنظمين أنفسهم ضمن أحزاب بوصفهم انتهازيين أو فاقدين للأخلاق، فهو خطاب لا ينسجم مع أبسط مبادئ الفكر السياسي الحديث. فالأحزاب، هي الأداة الطبيعية لتمثيل المصالح وتنظيم التنافس السلمي، وليست استثناءً ينبغي تبرير وجوده.
إن الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا. فعندما تغيب الأحزاب، لا يختفي التنظيم، بل تستعيد الهويات الأولية دورها: القبيلة، والعشيرة، والطائفة، والدين، والقومية. وحينها يتحول التنافس من البرامج إلى الهويات، ومن المؤسسات إلى العصبيات.
لذلك، فإن تسفيه فكرة الأحزاب وتقزيم دورها لا يعزز الدولة، بل يضعفها. والدولة القوية ليست تلك التي تحتكر السياسة، وإنما تلك التي تنظمها، وتحتكم إلى مؤسساتها، وتفتح المجال أمام التنافس السلمي المنضبط بالقانون. أما إقصاء الحياة السياسية، فلا يؤدي إلى ترسيخ دولة المواطنة، بل يفتح الطريق أمام أنماط سلطوية أو ثيوقراطية أو عصبيات ما قبل الدولة، وهو ما أثبتت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أنه وصفة لإدامة الانقسام لا لإنهائه.
Alsharq News الشرق نيوز