الفصل الثاني
المعتز الخضر
عندما ربحتُ مئتي مليون ريال و ضربتُ شريف شحادة بكُندرة السِّفتي… بعد خروجي من المحكمة اصطحبني عناصر الجندرما إلى خارج سراي المحكمة و في السيارة تحدّث معي رئيس الدورية و أعطاني جوّالي و أشارَ لي للحديث مع عائلتي و إبلاغهم عن مكان توقيفي.. بعدها اصطحبوني إلى إحدى المشافي في شانلي أورفا.. سلّموا أوراقي إلى إحدى الطبيبات في المشفى و التي أدخلتني إلى العيادة و أحضروا مترجماً.. سألتني الطبيبة عمّا إذا كنت تعرّضت للضرب أو التعذيب أو الإهانة، فأخبرتها أنّني لم أتعرّض لأي شيء.. وقّعت الأوراق و بعدها تمّ اقتيادي إلى سجن حلوان خارج مدينة أورفا.. مرّت حوالي نصف ساعة بعد مغادرتنا المشفى و أنا أفكّر بماهية و شكل السجن و طريقة المعاملة و عادت لذاكرتني طريقة اعتقالي في سورية و معاملة عناصر الأمن العسكري المجرمين هناك و حضرت في ذاكرتي حفلة استقبالنا في سجن صيدنايا الأحمر.. كان السجن مُحاطاً بقوّات من الجندرما لكن ما أن دخلنا حرم السجن حتى اختفت جميع المظاهر العسكرية.. بدا لي السجن من الخارج و كأنَّهُ فندق أو مُنشأة مدنية أو بناء وزارة من الوزارات.. دخلنا إحدى الغُرف و كان فيها شاب في آواخر العشرينات يُشبِه عمرو دياب في شبابهِ.. جرى بينهُ و بين عناصر الجندرما حديثاً قصيراً و كان ينظر لي و يبتسم.. تسلَّمَ أوراقي و أخرج كاميرا على شكل عصا قصيرة و قامَ بالتقاط صورة لي من جميع الجهات و استلمَ أماناتي.. الهاتف و الجزدان.. حيث فتح الجزدان و وجد فيه عشر ليرات تركية و نصف ليرة.. فضحك و قال مافي معك غير عشر ليرات و نص؟ فأجبتُهُ هذا ما عندي.. غادرَ عناصر الجندرما المكان و اصطحبني ذلك الشاب في كوريدور طويل و نظيف و دافئ و مليء بالكاميرات.. تقريباً كل عشرة أمتار كاميرا.. فتحَ أحد الأبواب و قال لي ستنام هنا في هذا القاووش حتى الصباح، حتى يأتي مدير السجن.. سألني هل أنت جائع؟ قلتُ لهُ نعم فأنا لم آكل من بعد الغداء.. أدخلني و أغلق الباب و عاد بعد بُرهة و ناولني صمّونة كبيرة و علبتي عسل و مثلها زبدة و قال خُذّ هذه حتى الصباح.. في ذلك القاووش لم يكن هناك غيري.. قاووش واسع و كبير فيهِ حوالي خمسة عشرَ سريراً مُجَهّزة بأغراض منامة نظيفة تفوح منها رائحة عَطِرَة.. فرشة اسفنج عريضة ضغط عالي و شرشفين و مخدّة و بطانيّتين عليها العلم التركي.. سألتُهُ إن كان عنده دُخّان فقال أنا لا أدخّن لكن انتظر قليلاً.. ذهب و عاد و هو يحمل سيگارتين و قدّاحة.. ناولها لي من الشرّاقة و قال أشعل السيگارة و أعد القدّاحة يجب أن لا تبقى معك حتى الصباح.. دخلتُ الحمّام، كان نظيفاً و الماء ساخن.. اغتسلت و تناولت العشاء و نمت.. في الصباح حضرَ شاب يرتدي بدلة سوداء و فتح الباب و حَدّثني باللغة العربية بلهجة القُرى الحدودية التي تشبه لهجة آهالي الرقّة و قال تعالَ معي.. اصطحبني داخل الكاريدورات و رأيت السجن يعُجّ بأمثالِهِ.. الجميع يرتدي بدلات سوداء تُشبه بدلات الأمن العام اليوم في سورية و جميعهم شباب لا يتعدّون الثلاثين من العمر.. كان الجميع ينظر إلي و يسألون.. و أسمع كلمة سورياليِم.. دخلنا أحد المكاتب الكبيرة، كان هناك ثلاثة أشخاص يجلسون أمام طاولة كبيرة و كلهم كِبار في السنّ و يلبسون ذات البدلات السود لكنهم يضعون على أكتافهم شرائط صفراء تُشبه شرائط سائقي باصات القدموس.. بدأ معي الحديث أحدهم، فالتفتَ إلي الشابّ الذي أحضرني و قال الباش مامور يسألك شو إنتَ و لماذا أحضروك إلى هنا؟ قلتُ له باللغة التركية : بان كُرماي ألباي (أنا عقيد ركن) فوقفَ عن الكرسي و التفتَ الجميع إليّ بما فيهم الشاب المترجم و قال : شو شو؟؟ شو أنتَ؟ أعدتُ كلامي : بان كُرماي ألباي.. فسأل ذلك المسؤول : شو هالحكي، ليش أنت قدّيش عُمرك؟ (يبدو أنّ صبغة شعري و دقني أوحت بأنني صغير في السنّ).. قلتُ لهُ عمري ثمان و أربعون سنة.. و أنا هنا بسبب الفيس بوك.. فقال : آآ بروباغندا.. فأجبتُهُ لا أدري لقد أوقفني القاضي.. كان هناك شاب يقف و هو مُسند رجلهُ على الجدار.. شاب أواسط الثلاثينات شكلُهُ و كأنَّهُ لاتيني من كولومبيا أو الأورغواي أو كوبا.. وجههُ و عيونهُ و قصة شعرهِ ذكّرتني بأحد أبطال فيلم خطر حقيقي لهاريسون فورد حيث كان أحدهم ضابط استخبارات كوبيّ .. يرتدي معطف طويل واضعاً يديه في جيوبهِ.. و هو يستمع للحديث بصمت.. و فجأة قال لأولئكَ الكِبار في السنّ و للباش مامور بضع كلمات فهمت منها كلمة عَسكَر ثمّ قال : تِكّ..قال لي المترجم نائب مدير السجن سيضعك في غرفة لوحدك كونك عسكري.. فهمت أنّ ذلك الشابّ (اللّاتيني المظهر) هو نائب مدير السجن و أنّ كلمة تِكّ تعني غرفة لوحدي و ليس في قاووش.. أشاروا لذلك الشاب فقال تعال معي.. دخلنا إلى الحلّاق و قال لي الشاب خفّف دقنك يا ألباي.. بعد الحلاقة دخلنا إلى عدّة كوريدورات و أقسام و أنا التفت يميناً و شمالاً إلى أن وصلنا إلى كوريدور كُتِبَ على لوحة معدنيّة مُلصقة على الجدار : (جناح ب) باللغة التركية ثمّ باب حديدي سميك فيه فتحة على شكل نجمة، أخرجَ ذلك الشاب من خصرهِ ما يُشبِه مانويل السيارة العسكرية و أدخلهُ في تلك الفتحة و أدارهُ و فُتِحَ الباب.. قام بتفتيشي ثم قال فوت هاي غرفتك.. كانت غرفة ثلاثة أمتار بأربعة تقريباً.. فيها سرير عريض و فرشة أيضاً ضغط عالي و أدوات منامة نظيفة و خزانة للثياب فيها عدة عِلّاقات و خزانة على الجدار فيها أدوات طعام نظيفة و مَجلى ستانلس و حمّام و تواليت و في صدر الغرفة نافذة كبيرة ذات فتحات مربعة الشكل تُطِل على فُسحة كبيرة مكشوفة طولها حوالي ثلاثين متراً بعرض عشرة أمتار.. قبل أن يغادر سألني هل تريد شيء؟ قلتُ له أريد دخّان.. قال هل لديك نقود في حسابك؟ قلتُ له أي حساب؟ ليس لدي إلا عشر ليرات و نصف في الأمانات.. قال حسناً و ذهب و عاد بعد ربع ساعة و ناولني باكيت ( لارك) و قال هذه بليراتك العشر أمّا قدّاحة فلا يوجد.. نظرتُ من النافذة فرأيت أربع أشخاص في تلك الفُسحة يسيرون ذهاباً و إيّاباً و أحدهم بدا لي أنّهُ أكبرهم يرتدي نظّارات طبيّة.. خطر في بالي أنهم من قيادة السجن و أنّ ذلك الكبير في السنّ هو مدير السجن.. قُلتُ لهم السلام عليكم.. فوقفوا عن المشي و التفتوا إليّ و قالوا و عليكُم سلام.. سألتُ ذلك الرجل الكبير : إنكليزجي بيليوروسن باش قان؟ فاقترب منّي و تبعهُ الآخرون و هم يسيرون على مهل و على وجوههم الاستغراب و قال : يس آي سبيك إنكلش.. و قفَ أمامي و الثلاثة الآخرين خلفهُ و هم ينظرون باستغراب أكثر.. قلتُ لهُ هل حضرتك مدير السجن؟ فضحك و ابتسم الآخرون و قال : لا، أنا سجين، نحنُ كُلُنا سُجناء… و سألني من أنت و من أين و ماذا تفعل هنا؟ أخبرتهُ بقصّتي.. فهزَّ رأسهُ و قال لا حول ولا قوة إلا بالله… طلبت منهم قدّاحة.. فقالوا لا أحد منّا يدخّن.. ثم صاح مخاطباً أحد ما فردّ عليه صوت شخص خامس من الغرف التي بجانب غرفتي ثمّ مشى و عاد لي بقدّاحة و قال هي لك خذها.. تحدّثنا بالإنكليزية و سألني عن عملي في سورية.. ثمّ قال و قد أشارَ لأحد الأشخاص بجانبهِ : هذا أتماجا صاوجي (نائب عام) و هذا كَنعان نائب عام و هذا ياڤوز قاضي و أنا سيردار قاضي محكمة جنايات ثقيلة…#يتبع
Alsharq News الشرق نيوز