أخوّة الخندق بين التكريم والاستغلال
أحمد السالم
في أرض الشام، حيث سالت الدماء على أرصفة الحرية، وعانقت أرواح الشهداء نجوم الأمل، ولدت الثورة السورية لا كحدثٍ عابر، بل كزلزال شعبي هزّ أركان الاستبداد، وتطلّع أبناؤها إلى وطنٍ لا يُقسَّم بالولاء ولا يُدار بالخوف.
ومن بين مشاهد هذه الملحمة، ظهر عنصر مثير للجدل: المقاتلون الأجانب، الذين عبَروا الحدود لا سياحاً أو محتلين، بل نصرة للمظلومين، وبدافع العقيدة، مؤمنين أن ما يحدث هو صراع بين الحق والباطل.
لكن بعد انتصار الثورة، وانتقالها إلى طور البناء، برز سؤال شائك: ماذا نفعل بهؤلاء؟ هل نُقصيهم؟ نُكرمهم؟ ندمجهم؟ أم نستغلّهم؟
تجارب العالم بين أيدينا
الغرب، الذي تتغنى دساتيره بحقوق الإنسان، يمنح جنسيته لمن يساهم وينتج، دون أن يُطلب منه القتال دفاعاً عنه. في أوروبا، أصبح كثير من اللاجئين مواطنين بمجرد التزامهم بالقانون ومشاركتهم في المجتمع.
بل إن التاريخ الإسلامي ذاته، كما في حالة المماليك، أو السوري في حالة الشركس والأرمن، يشهد أن من أتى مظلوماً أو نصيراً، يمكن أن يُصبح جزءاً أصيلاً من الوطن. فلماذا نشدد نحن على من شاركونا الخبز في الخنادق والدم في الساحات؟
تكريم لا تسليم
تكريم هؤلاء لا يعني الانقياد الأعمى، بل الاعتراف المنصف بفضل من قاتل معنا بشرف، ولم يرتكب جرائم أو يعمل لأجندات خارجية. المطلوب هو نظام تجنيس عادل، شعبي، إنساني، يُكافئ من خدم الشعب، لا من خدم أمراء الحرب.
دمج هؤلاء كمواطنين مدنيين هو أفضل تكريم لهم: معلمون، أطباء، مهندسون، عمال، فلاحون، وتجار. هؤلاء لا يحتاجون إلى بندقية لتأكيد ولائهم، بل إلى اعتراف شرعي يحفظ كرامتهم بعد سنين من التيه، خصوصاً وهم اليوم منبوذون من دولهم الأصلية، وملاحقون دولياً.
لا لنسخة جديدة من “الفرقة الرابعة”
كما لكل ضوء ظلّ، فإنّنا نحذّر من خطيئة قديمة، كمعضلة الإنكشاريين، الذين بدأوا فاتحين، وانتهوا كبؤرة فساد عانى منها الترك كثيراً.
التحذير واجب. فصدور قرار رسمي بمنحهم رتباً وتشكيلات منفصلة ضمن ما يُعرف بـ”الفرقة 84″ يُهدّد بإعادة إنتاج نسخة جديدة من الأجهزة القمعية القديمة، كما كانت الفرقة الرابعة في عهد النظام الساقط.
فإنشاء وحدات عسكرية خاصة بهم لا يُكرمهم، بل يُضعهم في فخّ عسكرة المجتمع، ويحولهم من إخوة خندق إلى أدوات سلطة. وما نخشاه أكثر: ماذا لو اختار الشعب مستقبلاً قيادة غير التي يوالونها اليوم؟ هل سيكونون مع الشعب، أم ضده؟
العودة إلى الحياة.. لا إلى الثكنة
العسكر بطبعهم ميّالون إلى الانغلاق، وما نحتاجه الآن هو الانفتاح. فدمجهم في الحياة المدنية، لا في الثكنات، هو أفضل وسيلة لحمايتهم وحماية الثورة من التشويه.
نحن بحاجة إلى نظام واقعي، إنساني، شجاع، يعامل الناس بناء على أفعالهم ومواقفهم، لا لهجاتهم أو جنسياتهم. فمن وقف معنا في لحظة ضعف، لا يليق بنا أن نخذله في لحظة انتصار.
لا تُفرغوا الثورة من معناها
أعظم تكريم لهذا البطل، هو أن نُعيده إلى الحياة، لا أن نُبقيه في قيد البندقية. أن نعطيه اسماً في السجل المدني، لا رقماً عسكرياً.
وأن نقول له بصدق:
شكراً لأنك كنت معنا في ظلمة الليل، وها نحن نفتح لك باب النهار “باب الوطن” .
فلنُكرم الثورة بأن لا نُفرغها من معناها. ولنَبْنِ وطناً جديداً من المواطنين، لا من المحاربين.
فالوطن ليس معسكر، بل حضنٌ واسع يسع الجميع ما داموا يحملون في قلوبهم شرف العدل، لا شهوة السلطة.
Alsharq News الشرق نيوز