في حضرة رحيل من نحبهم
عمر الهويدي
نتأخر في قول الأشياء التي يجب أن تُقال في وقتها، ونتأخر في التعبير عن الامتنان لمن يستحقونه، ونتأخر في الاحتفاء بمن كانوا بيننا يصنعون الأثر بصمت. نظن أن الوقت متسع دائماً، وأن الوجوه التي اعتدنا حضورها ستبقى في أماكنها إلى الأبد، فنؤجل كلمات المحبة والتقدير إلى يومٍ آخر لا يأتي.
ثم يرحل أحدهم. فجأة يتحول الحضور إلى ذكرى، والصوت إلى صدى بعيد، والصورة إلى وثيقة من زمن مضى. عندها فقط نبدأ بالبحث في الذاكرة؛ نستعيد المواقف والتفاصيل الصغيرة التي لم نكن نمنحها ما تستحقه من الانتباه، ونكتشف متأخرين كم كان ذلك الإنسان أكبر مما كنا نظن، وكم ترك في حياتنا من أثر لم ندرك حجمه إلا بعد غيابه.
نحتفي بأبطالنا عندما يغادروننا دون وداع. نكتب عنهم بعد أن يصبح الكلام لا يصل إليهم، ونروي سيرتهم بعد أن يغيبوا عن سماعها، ونعدد فضائلهم بعد أن يصبحوا أبعد من أن يبتسموا لكلمة تقدير أو يشعروا بدفء الامتنان.
ولعل المشكلة ليست في أننا لا نعرف قيمة الناس، بل في أننا نعتاد وجودهم حتى نظن أن الغياب مستحيل. نأخذ حضورهم كأمرٍ بديهي، ونؤجل الاعتراف بما يمثلونه لنا، حتى يأتي الرحيل ليكشف الحقيقة دفعة واحدة، فنظل نداوي الذاكرة ونحاول إبقاءها حيّة كي لا يبهت الأثر أيضاً.
وكلما حضرت ذكرى فقدان أحد الأصدقاء، شعرت وكأن جميع من رحلوا قد رحلوا في اليوم نفسه. يتجدد الفقد دفعة واحدة، كأنه عزاءٌ جماعي لا ينتهي. تتداخل الوجوه والأسماء والذكريات، وتعود اللحظات التي جمعتنا بهم حيّة كما لو أنها حدثت بالأمس. عندها تتحول الذاكرة إلى ساحة مواجهة مفتوحة؛ نحاول التمسك بما تبقى منهم في داخلنا، بينما يمضي الزمن في محاولته الدائمة لانتزاع التفاصيل.
كنت أستغرب، وأنا طفل، عندما تصحبني أمي إلى بيوت العزاء، لماذا يبكي الكبار بهذا العمق. لم أفهم حينها. لكن بعد أول فقد، أدركت أن البكاء لا يكون على شخص بعينه فقط، بل على كل من مرّوا في الذاكرة وغابوا، وكأن القلب يعيد فتح العزاء مرة واحدة.
خمس سنوات مضت على رحيل محمد الشلاش “أبو يم”، لكن بعض الأشخاص لا يُقاس حضورهم بالسنوات. هناك من يرحلون بأجسادهم فقط، أما أثرهم فيبقى مقيماً في الذاكرة والوجدان، في الأماكن التي عرفوها، وفي الوجوه التي أحبتهم، وفي الحكايات التي تُروى عنهم كلما مرّ طيفهم في الحديث.
أستعيد صورته اليوم، فأجدها تعيد زمناً كاملاً؛ زمناً كانت فيه الأحلام أكبر من الخوف، وكانت المواقف تُقاس بما يدفعه أصحابها من ثمن، لا بما يحققونه من مكاسب. أستعيد تلك الأيام التي وقف فيها كثيرون على مفترق الطرق، فاختار بعضهم الصمت، بينما اختار آخرون أن يكونوا أوفياء لما يؤمنون به.
الصورة الملتقطة في الخامس والعشرين من آذار عام 2011، خلال المظاهرة التي انطلقت من جامع الفردوس في الرقة، ليست مجرد صورة من أرشيف الذكريات، بل شهادة على جيل آمن بقضيته وسار في طريقها مهما كانت التضحيات.
رحم الله أبا يم، ورحم جميع الذين رحلوا تاركين في قلوبنا فراغاً لا يملؤه أحد. ورحم الله أولئك الذين كانوا صادقين بما يكفي ليتركوا أثراً يبقى بعدهم، لأن الإنسان لا يُخلَّد بطول عمره، بل بما يتركه في قلوب الناس من محبة واحترام وذكر حسن.
Mohammad Shlash
Alsharq News الشرق نيوز