متل اليوم بـ 17 آب 1968استناداً إلى قرار القيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث، التي كانت تمارس آنذاك سلطة التشريع،
أصدر رئيس الدولة نور الدين الأتاسي المرسوم التشريعي رقم 109 القاضي بإحداث «محاكم الميدان العسكرية».نص المرسوم على إحداث محكمة أو أكثر باسم «محكمة الميدان العسكرية»، تختص بالنظر في الجرائم الداخلة ضمن اختصاص القضاء العسكري والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية، والتي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها.جاء إنشاء هذه المحاكم بعد نحو عام من حرب حزيران 1967، بل إن المرسوم جعل أحكامه سارية اعتباراً من 5 حزيران 1967، أي منذ اليوم الأول للحرب، ما ربط نشأتها بصورة مباشرة بالظروف العسكرية التي أعقبت الهزيمة واحتلال الجولان.كانت المحكمة تُشكّل بقرار من وزير الدفاع من ثلاثة ضباط: رئيس لا تقل رتبته عن رائد، وعضوين لا تقل رتبة كل منهما عن نقيب، فيما يتولى وظيفة النيابة العامة قاضٍ أو أكثر من قضاة النيابة العسكرية يسميهم وزير الدفاع.ومنذ إنشائها مُنحت المحكمة صلاحيات استثنائية واسعة؛ إذ لم تكن مقيّدة بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في القوانين النافذة، كما لم تكن أحكامها تقبل أي طريق من طرق الطعن.في 15 كانون الثاني 1969 جرى أول تعديل لنظامها بموجب المرسوم التشريعي رقم 12، فمُنحت النيابة العامة أمامها صلاحيات قاضي التحقيق العسكري، وأجيز لها أيضاً عدم التقيد بالأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة، ما أدى عملياً إلى تقليص ضمانات المتهم بصورة كبيرة.لكن التحول الأهم في تاريخ محاكم الميدان وقع في 1 تموز 1980، في ذروة الصراع بين السلطة من جهة والإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة من جهة أخرى، عندما صدر المرسوم التشريعي رقم 32 مضيفاً إلى اختصاص المحكمة عبارة:«أو عند حدوث اضطرابات داخلية».بهذه العبارة القصيرة اتسع نطاق عمل المحكمة بصورة كبيرة، ولم تعد مرتبطة فقط بالحرب والعمليات العسكرية ضد عدو خارجي، وأصبح من الممكن إحالة المدنيين إليها في القضايا المرتبطة بالاضطرابات الداخلية. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسم محاكم الميدان بمحاكمة أعداد كبيرة من المعتقلين السياسيين، ثم استمر استخدامها لعقود، وصولاً إلى المعتقلين على خلفية الثورة السورية التي بدأت عام 2011.وبحسب وثائق وشهادات نشرتها منظمات حقوقية، أنشئت خلال أحداث حماة عام 1982 محكمة ميدانية عسكرية ثانية لمحاكمة معتقلين متهمين بالانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين وحزب البعث العراقي، واستمرت حتى إلغائها عام 1990.أما إجراءات المحاكمة نفسها، فقد تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر صور القضاء الاستثنائي قسوة في سوريا.فوفق شهادات ناجين وتقارير لمنظمة العفو الدولية، كان المعتقلون يُنقلون إلى المحكمة وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين، وكانت الجلسات سرية وقد لا تستغرق الواحدة منها سوى دقائق. ولم يكن المتهم في كثير من الحالات قادراً على الاتصال بمحامٍ أو تقديم دفاع حقيقي عن نفسه، فيما استندت بعض القضايا إلى اعترافات قال المعتقلون إنها انتُزعت منهم تحت التعذيب.وكانت أحكام المحكمة غير قابلة للطعن بأي طريق من طرق المراجعة القضائية.أما تنفيذ الأحكام فكان مرتبطاً بالسلطة التنفيذية؛ فالأحكام التي لا تقضي بالإعدام تحتاج إلى تصديق وزير الدفاع، الذي كان يملك أيضاً صلاحيات واسعة تتعلق بحفظ الدعوى أو إعادة المحاكمة أو إحالتها إلى محكمة أخرى، بينما لم يكن حكم الإعدام قابلاً للتنفيذ إلا بعد تصديق رئيس الدولة عليه.وتحدث وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس لاحقاً عن الحجم الهائل للإعدامات خلال سنوات الصراع في الثمانينيات، وقال في مقابلة مع مجلة دير شبيغل الألمانية عام 2005 إن نحو 150 حكماً بالإعدام كانت تنفذ أسبوعياً في دمشق وحدها في بعض الفترات، وإن كان تصريحه لا يحدد أن جميع تلك الأحكام صدرت حصراً عن محاكم الميدان.وبعد 55 عاماً من صدور المرسوم الأول، انتهى الوجود القانوني لهذه المحاكم.ففي 3 أيلول 2023 صدر المرسوم التشريعي رقم 32 لعام 2023، منهياً العمل بالمرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968 وتعديلاته، وقاضياً بإلغاء محاكم الميدان العسكرية وإحالة القضايا الموجودة أمامها إلى القضاء العسكري.ولعل واحداً من أكثر الأوصاف قسوة لهذه المحاكم ورد في رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة المعتقل السابق في سجن تدمر ، التي استندت إلى تجربة الاعتقال الطويلة لصاحبها بين 1980 و 1994، إذ يقول مصطفى خليفة (عندما نسمع صوت الهليوكوبتر يرتجف أو يتوتر كل من في السجن، حتى الشرطة والبلديات يتوترون، البعض يسميها طائرة الموت، أو ملاك الموت الهابط من السماء، أحد السجناء قال إن عزرائيل يجلس في المقعد الأمامي للطائرة لاًن هؤلاء متعاقدون معه.السجن يبعد عن العاصمة عدة مئات من الكيلومترات، لذلك فهيئة المحكمة الميدانية تأتي بالطائرة على الأغلب مرتين في الأسبوع، الاثنين والخميس ، وهيئة المحكمة هذه قد تكون ثلاثة ضباط وقد تكون ضابطاً واحداً، يعطون إدارة السجن بعد أن يدخلوا الغرفة المخصصة لهم لائحتين اسميتين:اللائحة الأولى: تضم أسماء الذين سيحاكمون في هذا اليوم، تأخذ الشرطة هذه اللائحة وتدور على كل المهاجع منادية على الأسماء، ثم يبدأ التجميع من آخر مهجع في الساحة السابعة مع الصياح والشتم والكرابيج، الرؤوس المنكسة والأعين المغمضة، يسوقونهم سوقاً إلى الساحة صفر حيث يُجلسونهم على الأرض أيديهم فوق رؤوسهم، ورؤوسهم بين ركبهم.يدخل إلى غرفة المحكمة أول اسم نادوا عليه بصفعة قوية على الرقبة عند باب الغرفة، يسأله الضابط:– أنت فلان ابن فلان؟– نعم سيدي.– طالعوه لبره.وهكذا تكون قد انتهت محاكمته، ثم يدخل الثاني والثالث .. وهكذا خلال ساعتين أو ثلاثة قد تتم محاكمة أكثر من مئة شخص، أحياناً تتعطل إجراءات المحاكمة، فالضابط يسأل السجين:– أنت فلان ابن فلان؟– نعم سيدي.– ولاك ابن الكلب .. أنت شاركت بتفجير المجمع الاستهلاكي؟– لا والله يا سيدي .. أنا مالي علاقة بأي شي.– يا كلب .. عم تنكر كمان !! .. يا شرطة.يدخل عناصر الشرطة إلى الغرفة.– حطوه بالدولاب حتى يعترف.تبدأ حفلة التعذيب أمام غرفة المحكمة، يبدأ الضرب والصراخ الأمر الذي يشوش على هيئة المحكمة، يتوقف العمل، تشرب هيئة المحكمة القهوة العربية، بعد قليل يهدأ كل شيء ويدخل الشرطة والسجين معهم يترنح:– شو .. لساتوا ميبس راسه؟!– لا سيدي .. اعترف بكل شي.– إعدام .. طالعوه لبرّهومن مهازل المحكمة مارواه محمد سليم حماد في مذكراته “تدمر .. شاهد مشهود” واصفا “صورة” اللواء سليمان الخطيب رئيس محكمة الميدان العسكرية قائلا : “رأيت رجلاً قصير القامة أصفر الوجه لئيم النظرات.. يتدلى حول شفتيه شاربان رفيعان يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجوز”.ويتابع حماد: “من المضحكات المبكيات التي لا تزال عالقة بذاكرتي عن أيام المحاكمات وحكاياتها أن أخاً ممن عرضوا على المحكمة كان طبيباً بيطرياً من منطقة الساحل السوري وكان يعمل في قرية دريكيش مسقط رأس سليمان الخطيب رئيس هذه المحكمة الهزلية . ولقد حدث أن أهل سليمان الخطيب كانوا يربون الأبقار كما يبدو . فلما مرضت إحداها أخذوها قدراً إلى ذلك الأخ ليعالجها . لكنها ماتت بقدر الله بعد ذلك . ودارت الأيام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمام القاضي سليمان الخطيب نفسه . فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه: (آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا؟ روح بدي أعدمك). ولقد تم إعدام الأخ المسكين بالفعل”.اندثرت محاكم الميدان العسكرية بعد خمسة وخمسين عاماً من إنشائها، لكنها تركت وراءها إرثاً ثقيلاً وعشرات الآلاف من الضحايا والمعتقلين، أُعدم كثيرون منهم أو أمضوا سنوات طويلة في السجون في محاكمات افتقرت إلى أبسط ضمانات العدالة. وفي ظل غياب المحامي والطعن والرقابة القضائية، كان يمكن لوشاية كاذبة، أو تقرير أمني كيدي، أو اعتراف انتُزع تحت التعذيب، أو حتى مزاجية من بيده إصدار الحكم، أن تحدد مصير إنسان بين الحياة والموت.انتهت المحكمة بمرسوم، لكن حياة من أخذتهم أحكامها لم يكن ممكناً إعادتها بمرسوم آخر.
من صفحة علاء الدين تلجبيني
Alsharq News الشرق نيوز