الجمعة , أغسطس 14 2026
الرئيسية / كلام سوريين / في نقد النخبوية الإسلاموية الجديدة

في نقد النخبوية الإسلاموية الجديدة

في نقد النخبوية الإسلاموية الجديدة

تمام أبو الخير

أكتب هذا النقد من داخل البيت، لا من خارجه، فأنا ابن البيئة الإسلامية أو ربما “الحركية” وإن لم أنتم يوما إلى تنظيم بعينه،

عشت متنقلا بين أدبيات الحركات المختلفة أخذت من هذه، وتعلمت من تلك وبقي لديّ منذ الصغر نفور من أن يذوب الإنسان ذوبانا كاملا في مشروع ما أو أن يسلّم عقله لشخص مهما علا قدره.

القاعدة هي أن الإنسان حرّ وبهذه الحرية عنده قدر عال من الاحترام لأهل الفضل والدعاة والمربين، ويعرف لأهل الفضل فضلهم، لكنه لا يقدّس أحدًا فالتقديس لا يصنع إنسانًا صالحًا بل يصنع تقوقعًا وقد نصنع نحن من حيث لا ندري طاغوتًا متمشيخًا حين نرفع شخصًا فوق النقد والمراجعة ونحيط حضوره بهالة تفصله عن الناس.

ومن خلال ما عايشته واطلعت عليه أرى أن كثيرا من الحركات والمشاريع الإسلامية الجديدة بات أسير نخبوية خفية ومقيتة نخبوية لا تعلن عن نفسها صراحة، ولا تقول لأحد نحن أفضل منكم لكنها تظهر في طبيعة العلاقات وفي دوائر الثقة المغلقة وفي احتكار الفرص، وفي إعادة تدوير الأسماء نفسها، وفي النظر إلى الناس بوصفهم جمهورًا يتلقى، لا شركاء يُسمع لهم ويُتعلم منهم.

تظهر هذه النخبوية حين تتحول المشاريع العامة إلى دوائر خاصة وحين تتنقل الفرص والمساحات والمنابر بين مجموعة تعرف بعضها وتزكّي بعضها بينما يبقى كثير من أصحاب المواهب والطاقات لا يؤذن لهم بالولوج لا لنقص فيهم، بل لأنهم لا يمتلكون مفاتيح الدخول إلى الدائرة.

تظهر النخبوية أيضا حين يكون الخطاب موجها إلى المجتمع كله، لكن البرامج والأنشطة واللقاءات الفعلية محصورة في فئة محددة، تتشابه في تكوينها ولغتها ومرجعياتها وعلاقاتها.

فيتحدث النخبة إلى أشباههم ويهنئون أنفسهم باتساع الأثر بينما هناك قطاعات واسعة لا تعرف عنهم إلا مقاطع عابرة على مواقع التواصل.

والنخبوية تظهر أيضا حينما تحتكر جماعة أو مؤسسة الحق في الحديث عن الواقع وتأخذ أحقية إعطاء التصنيفات للأشخاص، فترى أبناء هذه الجماعة أو تلك يقيمون الناس فهذا بنظرهم واعٍ وهذا ناضج وهذا يناسبنا وهذا لا يناسبنا وهذا وهذا وهذا……..

حتى صعوبة الوصول إلى بعض الأشخاص داخل هذه الجماعات ليست إلا مثالا صغيرا عن نخبوية الجماعات، فقد تطلب لقاء أحدهم فلا تحصل عليه، لا لضغط حقيقي أو محذور مفهوم، بل لأن شعورا خفيا يقول لهذا الشخص ما دام هو المحتاج إلي فبوسعه أن ينتظر ثم ما إن يحتاج إليك حتى يطلب حضورك سريعا، فإذا لم يجدك أطلق الأحكام والتقييمات، وهذا مثال ربما يراه البعض ليس أمرا ينظر إليه ولكنه بالنسبة لي هو مشكلة في عقلية ترى الوقت والاهتمام والاحترام حقوقا تسير في اتجاه واحد، تجاه ذاك الشخص النخبوي

وللإنصاف، لدى كثير من هذه الحركات والمشاريع برامج عظيمة، وقدرات مدهشة على العطاء، وهي لعمر الله آية في البذل والتنظيم، وأسأل الله أن يجزي القائمين عليها خيرا.

لكن السؤال الذي ينبغي ألا يزعجهم، لماذا تبدو هذه الخيرات الكثيرة بعيدة عن أناس كثيرين؟

ولماذا يحتاج الوصول إلى بعض البرامج أو الأشخاص أو الفرص إلى معرفة ووساطة وتزكية من داخل الدائرة؟

كنا فيما مضى نعرف مسجدا مفتوحا يدخله من يريد، ويجلس في حلقته الغني والفقير، المعروف والمغمور، ويتلقى الجميع نصيبهم من العلم والتوجيه.

كان الشاب يستطيع أن يقترب من الشيخ أو الأستاذ بلا شبكة من العلاقات، ولم تكن المعرفة حكرا على دائرة ضيقة، ولا القرب من أهل العلم امتيازا اجتماعيا.

أنا لست ضد تنظيم العمل ولا ضد وجود قادة يقودون ويبادرون ولا أطالب بإلغاء التخصص أو المواعيد أو معايير الاختيار فكل مشروع جاد يحتاج إلى إدارة وتوزيع أدوار وحماية لأوقات العاملين فيه.

لكن التنظيم شيء، وصناعة طبقة مغلقة شيء آخر وهنا يجب أن نفرق بين القيادة كضرورة، والنخبوية كمرض.

شاهد أيضاً

الأحزاب بوابة النهوض والتصويب

الأحزاب بوابة النهوض والتصويب مصعب سعود عرفت سوريا الأحزاب السياسية منذ نحو قرن من الزمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *