الخميس , أغسطس 13 2026
الرئيسية / كلام سوريين / عن قرية اسمها دهشة

عن قرية اسمها دهشة

عن قرية اسمها دهشة

قصة قصيرة

ل المعتز الخضر

دَهشة.. الجزء الرابع..

عوالِم خَفيّة..

ظهور خريطة دَهشة و حواكمة شرق و حواكمة غرب…

جاءت والدتي رحمها الله مساء ذلك اليوم من المدينة بعد زيارة لأخي السجين السياسي.. و على العشاء قالت : اليوم أبو خَطّاب (و تقصد أبو خطّاب العبدالله صاحب مكرو باص القرية) ذهاباً و إيّاباً دَوَخ راسنا بمسجّلة الميكرو بأغنية جديدة تقول :
في جريح يَهل الهوى في جريح..
فضحِكنا حدّ القهقهَة وسط ذلك الحُزن، و قلنا يا أمّي ليس في جريح بل المطرب يقول : ميجاريح يَهل الهوى ميجاريح.. قالت بلهجة دَهشة و حواكمة شرق و حواكمة غرب : ألا شمدريني منين أبو خطّاب يجيب هالأغاني، احنا ناگِصنا جروح 😢.. مُنذُ ذلك الموقف أطلَقتُ على القرية اسم المِجاريح مُضَمِّناً اسمَها الظُلم الذي يعيشُهُ أهل القرية و الفقر و تهميش نظام جمهورية زِفتى لها و لأهلِها، فمُنذُ فجر النظام لم يُوَزَّرُ في القرية وَزير و لم يُؤَمَّر أمير ولم يُمَدَّر مُدير، عداك عن ساكِني السجون من شباب و رجال القرية، لذلك كانت قرية المِجاريح و إلى الآن.. هل ذلك يُعزا للنظام فقط أم لشيء آخر؟ أنا أرى أنّ هُناك شيء آخر و هو أهالي القرية أنفُسُهُم، حسدوا بعضَهم و حقدوا على بعضِهِم و آجروا بِبعضِهِم و حفروا و ما زالوا تحت بعضِهِم و هذا هو السبب الأساسي..

الآن أغمِضوا أعيُنَكُم و شاهدوا الصورة :

دَهشة و حواكمة شرق و حواكمة غرب

ظلام دامِس لا تكاد ترى يَدَك و رياح تهُبّ لا شيء يدُلُّكَ على وجودِها إلّا صوتُها و صفيرُها.. يظهر وسط الظلام خيال رجُل يسير و هو يتعَثَّر وسط الحجارة و الصخور و يقترب شيئاً فشيئاً إلى تلَّة تُشرِفُ على وادٍ خلفهُ جبل آخر.. يتعَثَّر بلباسهِ الرّيفي ( گَلّابيّة) و يحاول مِراراً لفّ وِشاحِهِ على رقبَتِهِ و ينفُخُ في يديه من البرد.. تنظُر من خلفِهِ و إلى الأمام في لحظة وصولهِ إلى أعلى التلّة، فتُشاهد من بين كَتِفيه تلكَ القرية.. بيوت منتشرة على سفح الجبل المُقابِل.. كانت تلك القرية خارج الحضارة لا يوجد فيها كهرباء أو إنارة.. لا شيء سِوا نيران مُشتعلة تُشبِه نيران جيوش البرابرة أثناء حربِهِم مع الرّومان في العصور الوسطى.. يقترب ذلك الرجل و يقترب معهُ المشهد.. بيوت عالية من الحجارة القاسية تَعكِسُ لكَ قَسوَتُها من اللحظةِ الأولى كثيراً من الإبهام و الخوف و الألغاز و كأنَّكَ دَخلتَ إحدى ممالِك الجّان.. يقترب ذلك الرجُل و اقترب أنتَ معهُ في المشهد تترافق أصواتُ خطواتِهِ مع سًعال مُستَمِر أطبَقَ على حُلقومِهِ و صدرِهِ.. يقترب أكثر.. البيوت منتشرة بشكل شبه مُستقيم تحت الجبل و في وَسَطِها و بشكل مُرتفع عنها يظهرُ بيتً كبييير يُشبِهُ قلعةً عظيمة.. القاسم المُشترك بين تلك البيوت و ذاك البيت الكبير هو حُمرة الأُفقُ الشديدة النّاتجة عن كمّيّة النّيران المُشتَعِلة أمام البيوت، فيُخَيَّلُ إليك أنّها مدينةُ الجّان و الغيلان و هُم يطبخون وجبةً من البشر المُتَطَفِّلين كهذا الرجُل.. راح المشهد يقترب بعد أن اتَّخَذَ ذلك الرجُل قرارَهُ بالتَّوَجُّه إلى البيت الكبير.. إنّها طبائع البشر استهداف البيوت الكبيرة، حتى عند البدو فالضيف يقصِدُ بيوت الشَّعَر الكبيرة بيوت الشيوخ لتكون الغنيمة أكبر.. فهَل سيُصيبُ هذا الرجُل في اختيارِهِ؟؟ راحت الأصوات تُسمَع.. ليسوا من الجّان بل بشر يتحدّثون بلهجة ريفية شديدة الخصوصيّة، لهجة تُشعِرُكَ هي الأخرى كما المكان بالخوف و الغموض و الرّهبة.. أمام البيت الكبير عدد كبير من الرّجال يحملون السلاح و يلبسون لباساً سميكاً و كأنَّهُم من الطَّوارَق سُكّان الصحراء الغربية في بلاد المغرب.. و فوق لِباسهم السميك و الكثير، يرتدون جُعَب للذخيرة تبدو و كأنّها من جُعَب الجيش العُثماني قديماً.. تتقاطَعُ أصوات الرّجال.. عدد كبير من أطباق الثَّريد الرّيفية الكبيرة ( الصّواني) مُنتَشِر في المكان و حول كُل طبق أو صينيّة تعلَّقَ خمسةً رجال أو أكثر و هم ينهشون قِطَع اللّحم بشهيّة و نَهَم.. و ما أن ظهرَ لهًم خيالُ الزّائر الغريب حتى فَزَّ الجميع و أمسكوا بأسلِحَتِهم و وَجَّهوها نحوهُ.. بينما تقَدَّمَ أَحُدُهُم و هو أضخَمُهُم و قال مُخاطِباً الزّائر الغريب بصوت مُخيف : من أنت و ماذا تُريد؟؟ أجابَ الزّائر : أنا ضَيف، ضَيف قادم إلى بيت الشّيخ خَلّاف.. فراح الرجال يدفعونَهُ ببَنادِقِهِم.. و هُم يُشيرون لهُ إلى بيت يبعُد مئات الأمتار عن القلعة التي يحرسونها قائلين : اذهب اذهب من هُنا.. بيت خلّاف هُناك.. هيا ابتعد بسُرعة.. راحَ يسيرُ متعثراً تِجاه البيت الذي أشاروا إليه.. أمام ذلك البيت مَصطَبَة طينيّة كبيرة و حولها النيران تُمَزِّقُ جُزءاً من الظلام الدامس.. و على كُرسي خشبي مُتطاول يُشبه الكَنَبَة بدا شَبَحان لرجُلين يجلسان، يرتديان ذات اللباس لحُرّاس البيت الكبير.. لباس ريفي مع عباءات و أغطية للرأس من عدة طبقات لكن بدون جُعَب أو سلاح.. يتحدّثان و يَسعُلان بالتبادُل كُلّما أسلَمَ أحدُهُما بوري جَوزَة الشِّيشَة لصاحِبِهِ.. مساء الخير، قال لهما الغريب.. راحا ينظُرانِ إليه قبل أن يرُدّا السلام، و هُما يُزوِّمان بعيونِهِم التي أرهقها تبغُ الشّيشة (الحشيش أو المارغوانا).. و خاصةً خَلّاف راح ينظر إليهِ بريبة.. ثُمّ قالا مساء الخير.. خير من أنت و ماذا تُريد؟ قال أنا أقصِدُ الشيخ خَلّاف.. قال خَلّاف و ماذا تُريد منه و من أنت.. تقدّمَ الضيف بشيء من التَذَلُّل و راح يُصلِحُ لهُ جمرة الشيشة بخِبرَة واضحة.. و هو يقول أنا خَدّام يا أبويا الشيخ خَلّاف خَدّامَك و خَدّام رجليك.. قال خَلّاف :أنت تعرفُني؟ من أين تَعرِفُني.. قال الغريب :إنّها حكاية يا سيدي و تاج راسي.. قال خَلّاف حكاية ماذا أيًها الغريب.. ؟قال الغريب و هو يُصلِحُ الجمرة و يرفَعُ عينيه إلى وجه خَلّاف و يُحاوِلُ قراءة رَدّة فِعل خَلّاف على ما سيقُولُهُ : حِكاية البنت الغَزيَّة فائقة الجمال و ذلك الرجُل صاحب الهيبةِ و المال، الغَزيَّة التي منحت نفسَها لذلك الرجُل صاحب الهيبة، ثُمّ تركها و لم يعُد منذُ عشرينَ عاماً.. و الغَزيَّة حَمَلَت و أنجبت وَلداً و الوَلد صارَ شابّاً و ذهب يبحث عن أبيه.. و أضاف هو ابن حرام لكن خدمة أبيه واجبة فقد بلغ من العُمرِ عِتيّاً و الغزيّة قالت لهُ : اذهب و اخدم أباك و ابقَ تحت قدميه.. جَحَظَت عينا خَلّاف و احمَرّت و بعد أن سحَبَ نَفَساً طويلاً استغرَقَ سَحبُهُ للنّفس زَمناً يُساوي زمن سَرد الغريب للحكاية، ثُمَّ نَفَثَ ذلك الدُّخّان دفعةً واحدة و معها رَفَسَ ذلك الغريب رَفسةً قويّة ألقاهُ من المصطبة و هبَّ واقفاً و هو يقول : ماذا تقول يا ابن المَركوب ( كِنايةً عن الحِذاء في لُغة تلك البلدة).. ثمّ قال لجليسهِ : اذهب إلى بيتِكَ يا مهران.. نظرَ إليهِ جليسُهُ و هو يقول : بيتي؟ أذهب إلى بيتي الآن؟ دعني أبقى لأسمَع الحِكِّيوَة (أي الحكاية لكن بلهجة أهل تلك البلدة) فصاح خلّاف بغضب : قُلتُ لك اذهب إلى بيتِكَ يا مهرااان..

يتبع 👋

شاهد أيضاً

أبرز ماجاء في مقابلة السيد الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة

مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع ضمن برنامج المقابلة الذي يقدمه الاعلامي السعودي علي الظفيري عبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *