رقمنة توريد القمح بين ضرورات التنظيم ومعاناة المزارعين في الرقة
عمر الهويدي
في كل موسم حصاد، يكون المزارع في الرقة مشغولاً بحسابات الطقس ومخاطر الحرائق وكلفة الإنتاج، لكنه هذا العام وجد نفسه مضطراً لإضافة هاجس جديد إلى قائمته الطويلة: الحصول على دور لتوريد محصوله عبر المنصة الإلكترونية المعتمدة.ولعل المفارقة أن موسم القمح الحالي، الذي يُفترض أن ينشغل فيه المزارعون بمتابعة الحصاد ونقل المحصول إلى مراكز الاستلام، شهد انشغالاً واسعاً بمشكلات التسجيل الإلكتروني والأعطال التقنية ومواعيد التوريد. وهي مسائل قد تبدو إجرائية للوهلة الأولى، لكنها بالنسبة للمزارع ترتبط مباشرة بمصير محصول انتظر أشهراً طويلة حتى يصل إلى هذه المرحلة.لا خلاف على أن تنظيم عمليات استلام القمح أمر ضروري، ولا أحد يعترض على الاستفادة من التقنيات الحديثة إذا كانت ستخفف الازدحام وتسرّع إجراءات التسويق. كما أن اللجوء إلى المنصات الإلكترونية بات خياراً متبعاً في كثير من القطاعات، ويهدف في جوهره إلى تحسين الكفاءة وتوفير الوقت والجهد.
لكن المشكلة تظهر عندما تصطدم الفكرة الجيدة بواقع لم يُهيأ لها بالشكل الكافي.في كثير من قرى الريف، ما يزال الإنترنت خدمة غير مستقرة، بل إن الوصول إليه في بعض المناطق أشبه بالمحاولة اليومية أكثر منه خدمة متاحة بشكل طبيعي. وفي ظل هذا الواقع، وجد عدد من المزارعين أنفسهم يقضون وقتاً وجهداً إضافيين لمجرد تسجيل دور على المنصة، في وقت يفترض أن يكون تركيزهم منصباً على الحصاد وحماية محصولهم من المخاطر التي ترافق هذه المرحلة الحساسة من الموسم.ولم تقتصر المشكلة على ضعف الاتصال بالشبكة، بل زادتها الأعطال التقنية المتكررة تعقيداً. فحين يتعطل التسجيل أو تتوقف المنصة عن العمل، لا يخسر المزارع دقائق من وقته فقط، بل يخسر جزءاً من شعوره بالاطمئنان تجاه مصير محصول انتظر شهوراً طويلة ليصل إلى هذه المرحلة.
وفي موسم ترتبط فيه كل ساعة بقرارات مهمة تتعلق بالنقل والتخزين والتسويق، يصبح أي تأخير مصدر قلق حقيقي لا يمكن التقليل من أثره.كما برزت مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في لجوء بعض المزارعين إلى حجز أدوار التوريد قبل انتهاء الحصاد الفعلي. ورغم أن هذا السلوك يبدو مفهوماً في ظل المخاوف من عدم الحصول على موعد مناسب لاحقاً، إلا أنه أدى عملياً إلى إشغال عدد كبير من المواعيد مسبقاً، ما جعل مزارعين آخرين يواجهون صعوبة في الحصول على أدوار لتسويق محاصيلهم الجاهزة.وهكذا وجد كثير من المنتجين أنفسهم أمام معادلة صعبة: محصول جاهز للتسليم، لكن لا دور متاحاً في الوقت المناسب. بعضهم اضطر إلى الانتظار أياماً إضافية، وبعضهم أصبح يخشى من بقاء القمح لفترات أطول في الحقول أو أماكن التخزين، فيما وجد آخرون أنفسهم أمام خيار بيع جزء من إنتاجهم بأسعار أقل من السعر الرسمي لتجنب خسائر أكبر قد تترتب على التأخير.والمشكلة في جوهرها ليست مشكلة منصة إلكترونية بحد ذاتها، بل مشكلة آلية تطبيق لم تراعِ بشكل كافٍ واقع المنطقة وظروف المزارعين. فالتحول الرقمي لا يقاس بإطلاق منصة أو استحداث إجراء إلكتروني، بل بمدى قدرته على تسهيل حياة الناس وتحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها.
وإذا كانت الوسيلة الجديدة تخلق عقبات إضافية أمام المستفيدين منها، فإن ذلك يستدعي مراجعة جادة لآليات العمل المتبعة.ومن الواضح أن نجاح تجربة كهذه يحتاج إلى أكثر من مجرد منصة إلكترونية. فهو يتطلب بنية تحتية مناسبة للاتصالات، وخدمات إنترنت مستقرة، وآليات مرنة تراعي خصوصية المناطق الريفية، إضافة إلى وجود بدائل تضمن عدم تضرر المزارعين عند حدوث أي خلل تقني أو تنظيمي.وفي هذا السياق، تبرز الحاجة أيضاً إلى إنشاء مراكز أو مكاتب دعم فني داخل الجمعيات الفلاحية أو الوحدات الإرشادية الزراعية، تكون مهمتها مساعدة المزارعين الذين لا يمتلكون الخبرة الكافية في التعامل مع المنصات الإلكترونية أو التطبيقات الرقمية. فالكثير من المزارعين، وخاصة كبار السن أو ممن لم يعتادوا على استخدام الأدوات التقنية، يواجهون صعوبات حقيقية في التسجيل وإتمام الإجراءات، ما يجعل وجود دعم ميداني مباشـر أمراً ضرورياً لضمان عدم إقصاء أي فئة من الاستفادة من النظام المعتمد.كما أن مسألة الحجز المسبق تستحق معالجة أكثر دقة، بما يحقق التوازن بين حق المزارع في ضمان دوره، وبين ضرورة عدم حرمان الآخرين من فرص التسويق. فالتنظيم الحقيقي لا يتحقق فقط عبر تحديد المواعيد، بل عبر بناء نظام قادر على إدارة العملية بشكل عادل وفعال، ويأخذ في الاعتبار الواقع الميداني لا الافتراضات النظرية فقط.في النهاية، لا تُقاس نجاحات التحول الرقمي بعدد المنصات التي تُطلق، بل بقدرتها على خدمة الناس الذين أُنشئت من أجلهم. وإذا كان المزارع يضطر إلى بذل جهد إضافي لمجرد تسجيل دور لتسويق محصوله، فإن هناك حاجة حقيقية لمراجعة التجربة والاستماع إلى الملاحظات القادمة من الحقول قبل المكاتب.
فالقمح ليس مجرد محصول موسمي، بل مورد أساسي يرتبط بمعيشة آلاف الأسر، وأحد أهم عناصر الأمن الغذائي في المنطقة. وأي خلل في إدارة تسويقه لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله. لذلك تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تطوير آليات التوريد بما يحقق الهدف المنشود من التنظيم، دون أن يتحول ذلك إلى عبء جديد يضاف إلى أعباء موسم الحصاد.
Alsharq News الشرق نيوز