موسى الحالول
خواطر فراتية متفرقة
تعلمت السباحة في نهر الفرات قبل أن أدخل المدرسة، لكني لم أكن أوغل فيه أكثر من 30 مترًا على أبعد تقدير. وفي أحسن الأحوال، كنت أغامر مع إخوتي وأبناء عمي في السباحة إلى إحدى الحوايج (الجُزر) الرملية التي تظهر بين الحين والآخر، بناءً على ارتفاع منسوب المياه وانخفاضه.
في تلك الأيام، كان النهر مهيبًا، جامحًا، يهابه كل من لا يعرف أسراره “وسُوَّارته” (دوَّاماته) الغادرة التي يمكنها أن تبتلع أمهر السبَّاحين.
وفي يوم من الأيام، رأيت عمتي المتزوجة على الضفة الأخرى من النهر تعبر إلينا وقد وضعت تحتها طَوْفًا من نبات السوس، وكانت تدفعه أمامها بطريقة عجيبة جعلتني أتساءل إن كان جموح النهر يمكن أن تروضه إرادة امرأة وبطريقة بدائية. ثم بعد أيام، ودَّعتنا وعادت إلى بيتها بالطريقة العجيبة المهيبة ذاتها.
ثم دارت الأيام، وبنت الدولة سدًا آخر غير بعيد عن سد الطبقة، وتقلص مجرى النهر كثيرًا. ثم بعد سنوات كنت قادمًا من حلب، ولما عبرنا الجسر رأيت النهر وقد تحول إلى مجرى هزيل يكاد يكون مخاضةً في بعض المناطق. وقد رأيت نساء مدينة الرقة وهن يغسلن أصواف الغنم التي يستخدمنها لحشو الدواشِك (المفارش).
كان الحَمَط يتحلل من الصوف، فينسرب لونه الأصفر العَكِر على سطح النهر الهزيل. كان الفرات في يوم من الأيام يبتلع البشر والشجر، واليوم بات روث الأغنام المتيبس يرسم على سطحه خرائط ذل وخنوع. كان الفرات نهرًا، فبات جدولاً أو ساقيةً.
اليوم، عادت للفرات هيبةٌ وخطورة تستدعي زيارة رئيس الدولة وأحد وزرائه لضحايا فيضانه. هي زيارة قد لا تقدم ولا تؤخر، لكنها على الأقل تُطيِّب الخواطر.
ملاحظة: يذكر الأمير خالد الفيصل في مذكراته المهنية “إن لم… فَمن؟” أنه حين كان أميرًا لمنطقة عسير، ذهب إلى جبال بني شِهر، ثم قابل رجلاً مسنًا. فرحب به الشيخ، ثم قال له الأمير إنهم سيشقون له طريقًا إلى بيته، ويمدون إليه أسلاك الكهرباء وأنابيب الماء. فقاطعه الشيخ قائلاً إن كل ما يريده هو أن يرى سيارة الأمير تتوقف أمام بيته!
Alsharq News الشرق نيوز