داخل مكتب الرئيس 11
سامر حبيب
تنويه صادر عن إدارة الموقع:
نود الإشارة إلى أن هذا التقرير قد تمت إعادة صياغته وتحريره لغوياً بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي لضمان دقة اللغة الفصحى دون مساس بالمعاني الأصلية.
كما تود إدارة الموقع التأكيد بأنها غير مسؤولة عن صحة أو دقة المعلومات، الآراء، أو الوقائع التاريخية الواردة في هذا المقال، والتي تعبر حصراً عن وجهة نظر كاتبها الأصلي.
في أروقة المكتب الرئاسي (11)لا تقتصر هذه السلسلة على كشف أسرار المكتب الرئاسي فحسب، بل تعد محاولةً جادة لفهم طبيعة الشخصية السورية وبنية المجتمع السوري.
فمن المؤكد أنه لا يوجد مكان في سوريا يفوق المكتب الرئاسي أهمية لاستيعاب هذه الديناميكيات؛ إذ لم يقتصر دور هذا المكتب على إدارة شؤون الدولة السياسية فقط، بل امتد ليتولى إدارة المجتمع بأكمله، مستنداً إلى دراية عميقة بالطبيعة السورية وآليات التعامل معها.
حينما تولى حافظ الأسد مقاليد الحكم، كان يبسط سيطرته بالفعل على الجيش وحزب البعث، وشرع فوراً في تشييد المنظومة الأمنية التي رغب فيها والتي عرفناها لاحقاً. وكما تبين في المنشورين السابقين، فقد نجح في استقطاب المؤسسة الدينية الرسمية إلى صفه.
ومع ذلك، ظل الركن الأهم لاستقرار سلطته—وهو الملف الاقتصادي—مسألة شائكة ومعقدة؛ فنظراً لخلفيته العسكرية، لم يكن على دراية واسعة بالآليات الاقتصادية، لكنه اتخذ قراراً حاسماً واستراتيجياً في هذا الصدد قضى بـأنه:
مهما كانت المسارات الاقتصادية، لن يُسمح للبرجوازية السنية بالعودة إلى سدة الحكم كما كان الوضع قبل عام 1963.
بناءً على ذلك، كان الأسد بحاجة ماسة إلى خبير يرشده في هذا المضمار ويصيغ له الوصفة الاقتصادية الملائمة. ولم يكن هناك من هو أكفأ من بدر الدين الشلاح للقيام بهذه المهمة؛ فهو عميد كبرى العائلات البرجوازية الدمشقية، وأحد أغنى رجال الأعمال في الشرق الأوسط، ورئيس اتحاد غرف التجارة، فضلاً عن شبكة علاقاته الواسعة والمؤثرة.

تشخيص العلة الاقتصادية: بيد أنه قبل طرح الوصفة العلاجية، كان لزاماً تشخيص العلة الأساسية؛ فقد كان الاقتصاد السوري آنذاك يمر بحالة انهيار حاد نتيجة لعدة عوامل متراكمة:
عمليات التأميم الكبرى: التي جرت إبان فترة الوحدة بين سوريا ومصر.
إجراءات التأميم الصغرى وقانون الإصلاح الزراعي: الصادرة عقب حركة مارس/آذار 1963.
خطاب الكراهية: الموجه ضد التجار ورجال الأعمال، والذي قاده الجناح اليساري المتشدد في حزب البعث بقيادة صلاح جديد.أدت هذه العوامل مجتمعة إلى شلل تام في قطاع الأعمال، وتسببت في هجرة رؤوس الأموال السورية باتجاه بيروت ودول الخليج العربي الناشئة، والتي كانت تشهد طفرة مالية ضخمة جراء ارتفاع أسعار النفط.
صياغة المعادلة والركائز الثلاث تمثلت خطوة الأسد في تبني مقاربة مستوحاة من رؤية بدر الدين الشلاح، حيث وضع الأسد على رأس هذه السياسة شعاراً صريحاً يحدد طبيعة العلاقة:
”التجارة والاقتصاد لكم وأشارككم فيهما، أما السياسة والدولة فهي لي وحدي ولا تشاركونني فيها.”
بموجب هذه المعادلة، منح الأسد هامشاً واسعاً من الحرية لغرف التجارة والصناعة، وسُنَّت التشريعات والقوانين التي طلبوها لتحريك عجلة الاقتصاد وتدويرها.
ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، اعتمد الأسد على ثلاث ركائز أساسية:محمود الأيوبي (أول رئيس وزراء في عهده): كُلِّف بتنفيذ تطلعات التجار والصناعيين، واتخاذ القرارات الملائمة لجذب رؤوس الأموال المغتربة وتوفير الحماية القانونية لها.
عبد الحليم خدام: تولى ملف العلاقات الخارجية وتوجه نحو دول الخليج، حيث نجح في استقطاب مئات الملايين من الدولارات في شكل استثمارات متوسطة وطويلة الأجل، لاسيما بعد حرب عام 1973.
الشيخ أحمد كفتارو (مفتي الجمهورية): وهو الشخصية الثالثة والأبرز في هذه العملية. قد يتساءل البعض عن الرابط بين مفتي الجمهورية والمنظومة الاقتصادية؛ والإجابة تكمن في مناخ الخوف الذي خلفته سياسات التأميم السابقة،

حيث كان التجار يخشون مصادرة سيولتهم النقدية أو وضع اليد على منشآتهم المستهدفة، وبالتالي كانوا في حاجة ماسة إلى تطمينات وضمانات حقيقية، ولم تكن شخصية رئيس البلاد في القصر الرئاسي كافية لتبديد مخاوفهم، بل ساد شكٌّ بأن الأمر قد يكون مجرد مناورة لاستدراج أموالهم ثم مصادرتها.شبكات الثقة وبناء الاستقرارثمة زاوية يغفلها الكثير من الباحثين والمحللين في هذا السياق، وهي الارتباط الوثيق والتاريخي بين البرجوازية السنية والمؤسسة الدينية (المشايخ)؛ فحينما يرسل رمز ديني بوزن الشيخ كفتارو رسائل تطمينية بأن الأوضاع آمنة، فإن تلك الطبقة تذعن لتلك التطمينات وتثق بها.هذا هو المحور الذي استغله الأسد بذكاء؛ مستفيداً من الثقة المطلقة التي يوليها التجار للمفتي، لعلمه التام بأن رجال الأعمال لن يثقوا بوعوده المباشرة، خصوصاً وأنه كان قد أودع رفاق دربه وأصدقائه السياسيين في السجون قبل أشهر قليلة فحسب.
لم يفلح الأسد في بناء اقتصاد قوي ومزدهر في بداية عهده خلال فترة السبعينيات، لكنه نجح في نسج شبكات علاقات متينة، ورسخ الحد الأدنى المقبول من الثقة مع التجار والصناعيين الذين كان همهم الأكبر هو تحقيق “الاستقرار”؛ إذ إن مناخ الاضطراب العسكري والأمني، والانقلابات المتتالية، وتواجد المدرعات في الشوارع بين الحين والآخر، كان يعوق نشاطهم التجاري ويقوض فرص بناء الثروات واستمرار الأعمال.حرب تشرين.. أيام معدودات في القتال، وسنوات ممتدة في سدة الحكم
(يتبع…)
Alsharq News الشرق نيوز