الإثنين , أكتوبر 22 2018
الرئيسية / تقارير واخبار / التقسيم في سوريا … بين الطرح وصعوبات التحقيق

التقسيم في سوريا … بين الطرح وصعوبات التحقيق

هذه الدراسة تم تقديمها لمركز الشرق للدراسات منذ أشهر ومن ثم تم اضافة بعض الفقرات بسبب المتغيرات التي حصلت على الأرض

التقسيم في سوريا بين الطرح وصعوبات التحقيق
مقدمة تاريخية عن التقسيم في الشرق الأوسط
شهد مطلع القرن العشرين تغيرات كبرى في خريطة الشرق الأوسط , إذ تم تقسيمه إلى دويلات صغرى ورسم حدود بينها , حيث كانت الظروف الموضوعية آنذاك مهيأة لتقسيم المنطقة , فكانت اتفاقية وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا والتي سميت نسبة لإسميهما (سايكس -بيكو )القاضية بتقسيم الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ سميت إصطلاحاً مناطق إنتداب , دفع إلى هذه الخطوة الإنهيار الذي وصلت إليه الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على المنطقة , كذلك حاجة الدول الإستعمارية آنذاك لأسواق تصريف وأيد عاملة رخيصة وكذلك موارد أولية , كما كانت الدول تعمل على تهيئة الأجواء لقيام دولة إسرائيل , وبالتالي تقسيم الدول الكبرى المحيطة بها من أجل تسهيل إقامتها ككيان مشابه لتلك الدول من حيث المساحة والديموغرافيا السكانية……
ومع هذا التقسيم حافظت الدول الأكبر على تنوعها الإثني والديموغرافي خاصة العراق وسوريا , حيث بقي هذا التنوع ميزة لكلا البلدين طيلة عقود , حتى بدأت ملامح التغيير في السياسة الدولية تظهر , فكان إنهيار الإتحاد السوفياتي الذي رافقه تفرد أمريكي في العراق تمثل باحتلاله وإسقاط نظامه السياسي , الذي كان يعمل على إقامة توازن بين مكونات المجتمع العراقي الإثنية والقومية وصلت إلى حد إعطاء الكرد حكماً ذاتياً كذلك عمل على اشغال المكونات ببعضها البعض , لكن مشاريع التقسيم بدأت تظهر فيه بعد وصول الطبقة السياسية الحالية , والتي كان لممارساتها الطائفية التي يتهمها بها معارضيها وكذلك لنظام المحاصصة السياسية ونظام الفيدرالية المتبع في العراق , سبباً في توجه بعض الأقاليم للدعوة للإنفصال وبالتالي تقسيم العراق لأقاليم على غرار إقليم كردستان ., دعم ذلك ظهور تنظيم داعش في العراق ..
أما في سوريا , فقد حافظت سوريا على وحدتها الجغرافية والسياسية وعلى غناها وتنوعها الإثني والديموغرافي مشكلة فسيفساء إجتماعية متناسقة وخليط إجتماعي متداخل ومتشابك , حتى بعيد إنطلاق الثورة السورية والتي عبرت في بدايتها عن حرص المتظاهرين ومنسقي الثورة على وحدة سوريا جغرافياً وإجتماعياً ودعت المجتمع السوري بكافة مكوناته للإنخراط في الثورة لإسقاط النظام وإقامة سوريا الواحدة الدولة المدنية التعددية , سوريا التي تحتضن جميع مكوناتها العرقية والإثنية وظهر ذلك جلياً في هتافات متظاهريها والتي كانت تركز على ذلك مثل شعار
واحد واحد واحد الشعب السوري واحد , وغيرها من الشعارات التي تدعو للوحدة الوطنية كما تم تسمية عدد من أيام المظاهرات بتسميات تدل على الرغبة في بقاء سوريا واحدة موحدة مثل جمعة صالح العلي وجمعة آزادي.

سوريا الثورة وظهور فكرة التقسيم
كان الهدف الرئيس لإنطلاق الثورة في سوريا هو إسقاط نظام القمع والإستبداد في سوريا وإقامة الدولة المدنية التعددية الديموقراطية أي سوريا الحرة لكل السوريين ..
لكن رد النظام كان مختلفاً فمنذ اليوم الأول لإنطلاق الثورة عمل النظام وعبر نظامه لتصويرها على أنها ثورة طائفية تستهدف الوحدة الوطنية والنسيج الإجتماعي السوري , مصوراً نفسه حامي للأقليات في سوريا والضامن لوحدتها الجغرافية,(خطاب بشار الأسد في مجلس الشعب ,تصريحات بثينة شعبان على قنوات الجزيرة والعربية في الشهر الرابع والخامس من عام 2011)
هذا الخطاب الذي اتبعه النظام أقنع عدداً من الأقليات خاصة الطبقة المستفيدة من بقاءه بأنه هو من يضمن حمايتها وبقاءها
وبالتالي عملت على الإصطفاف معه خاصة الطائفة العلوية التي ينحدر منها بشار الأسد , هذا الاصطفاف القائم على أساس إثني أدى لحدوث شرخ في المجتمع السوري خاصة بعد ظهور السلاح وتحول الثورة إلى مسلحة وظهور تنظيمات تحمل أجندات جهادية وتتبنى الفكر الجهادي السلفي , وفي ظل فشل المعارضة السياسية في طرح خطاب حقيقي موجه يطمئن تلك الأقليات ويقدم لها ضمانات حقيقية , هذا الفشل وظهور الفكر المتشدد جعل من الإنقسام المجتمعي واضحاً وقد عمل النظام على تقوية هذه النزعة من خلال الضخ الإعلامي والتضليل الفكري ..
سوريا المفيدة …رؤية نظام الأسد لتقسيم سوريا
كان عام 2012 كارثياً على النظام السوري حيث شهد إنشقاقات كبرى في المؤسسة العسكرية والسياسية , رافقه خسارات كبرى على الأرض حيث إنحسرت سيطرة النظام إلى ما يقارب ال 50% من الأرض السورية . مع تراجع على جميع الجبهات حيث بات النظام يقبع في دمشق ويسيطر على مناطق معينة من سوريا كالساحل السوري وبعض المناطق مثل مراكز المدن , مما جعل النظام يقتنع بعدم قدرته على إستعادة السيطرة على سوريا كاملة بالرغم من الدعم الإقليمي والدولي له فبدأ الحديث عما سمي إصطلاحاً سوريا المفيدة .(خطاب بشار الأسد أمام نقابات العمال في26/7/2015 قنوات مختلفة ووسائل إعلام وصحف)
في هذا الخطاب حدد بشار الأسد خياراته لمستقبل سوريا في أمرين رئيسيين , الأول هو سوريا المفيدة والتي قصد بها سوريا التي يسيطر عليها والتي تمتد من دمشق عبر المناطق الواقعة على الحدود اللبنانية كمناطق القلمون الغربي (الزبداني _مضايا) وصولاً إلى حمص ريف حماة الغربي حتى الساحل السوري المعقل الأساسي والخزان البشري للنظام ..
سوريا المفيدة التي رسم النظام حدودها عبر عملياته العسكرية لا تتمتع بأي ميزات إقتصادية أو جغرافية معينة تعتمد فقط على مدى ولائها للنظام وقدرة النظام في السيطرة عليها ..
الأمر الآخر الذي قصده بسوريا المفيدة أتبعه بشار الأسد بتصريح يقول فيه (أن الوطن لمن يدافع عنه وليس لمن يحمل جوازه أو جنسيته) (خطاب 26/7/2015) محدداً بذلك الفرز الديموغرافي وطبيعة الحاضنة التي تدعم بقاءه.
مع إدراك النظام عدم قدرته من إعادة السيطرة على كامل الجغرافية السورية بدأ العمل على تحقيق دويلته التي تحدث عنها في إعلامه وروج لها عن طريق سياسة المصالحات والتهجير القسري للمناطق التي تقع ضمن حدود تلك الدويلة كما حصل في داريا والمعضمية والوعر وغيرها طبعاً هذا الكلام تغير بعد أن تقدم على الأرض بواسطة الدعم الروسي اللامحدود له …

التقسيم كما تفرضه الوقائع على الأرض
مع إتساع رقعة المواجهات وظهور قوى حققت وجوداً على مساحة الجغرافية السورية , وبدأت تمضي مشاريعها التي حاربت من أجلها بدى واضحاً إنقسام الجغرافية السورية إلى مناطق نفوذ لتلك القوى والتي أصبحت أمراً واقعاً نستطيع تمييز عدد من تلك القوى وتحديد مشاريعها …
الأكراد
الحلم الكردي في إقامة دويلة كردية هو حلم قديم وكان جل عمل السياسيين الأكراد والتنظيمات السياسية الكردية يرتكز على حلم إقامة تلك الدويلة سواء على شكل حكم ذاتي أو عن طريق فيدرالية أو تحقيق الإستقلال الكامل
حيث رأى الكرد في الثورة السورية فرصة لتحقيق حلمهم القديم فعملت الأحزاب الكردية على تحقيق ذلك تحت ذرائع عدة متخذين من ذريعة مكافحة الإرهاب والدعم الدولي المقدم لهم وسيلة لتحقيق هذا الهدف حيث بدا حلم الروج آفا قريب المنال بعد تقدم وحدات الحماية الكردية pydوالتنظيمات الكردية الأخرى على الأرض وتحقيق تقدم كبير على حساب داعش الرقة وريف ديرالزور حيث بدأ الأكراد برسم حدود دولتهم والإعلان عن تشكيل أقاليمهم الكردية (الروج آفا هي منطقة تحت سيطرة وحدات حماية الشعب في شمالي سوريا بحكم الأمر الواقع يسميها الأكراد كذلك باسم كردستان تحت الخط (Kurdistana Binxetê). نالت المنطقة الحكم الذاتي بشكل غير رسمي في نوفمبر عام 2013، بعد انسحاب قوات) الجيش السوري( من معظم مدن محافظة الحسكة ومنطقتي عفرين وعين العرب في محافظة حلب اللتين تقطنهما غالبية كردية. تتألف المنطقة المعلنة من ثلاث مقاطعات تضم (من الشرق إلى الغرب) الجزيرة،وكوباني عين العرب)حيث استغل الأكراد ظروف الحرب والدعم الدولي لإعلان تشكيل أقاليمهم ( https://www.youtube.com/watch?v=C0JwdaXeOlcحلقة تفاصيل في قناة أورينت حول تشكيل إقليم تل أبيض) الموقف الكردي يعتبر خطوات نحو التقسيم خاصة في ظل الظروف المحيطة بمنطقة الجزيرة السورية وقتال تنظيم داعش فيها..

داعش (الدولة الاسلامية )
كان لظهور داعش وتوسعها المفاجئ في الجغرافية السورية والعراقية أثر كبير في عملية التفتيت التي لحقت بالدولة السورية وبوحدتها الجغرافية حيث أعلن التنظيم إقامة دولة الخلافة على المناطق التي سيطر عليها منتزعاً مناطق كبرى في سوريا من قبضة الجيش الحر والنظام وبذلك تم تشكيل دويلة في شرق وشمال شرق سوريا هي امتداد للتنظيم في العراق وشكل آخر من أشكال التقسيم الذي يحدث في سوريا(http://aranews.org/2014/06/موقع آرا نيوز تنظيم الدولة يعلن الخلافة ويبايع البغدادي خليفة 29/6/214)
حلم داعش بتشكيل دولتها يشابه حلم الأكراد في تشكيل دويلتهم على أساس عقائدي وإثني وكما في حالة النظام والأكراد شهدت المنطقة تغيرات ديموغرافية تخدم فكرة قيام الدولة حيث خدم إعلان تنظيم داعش لقيام دولتها كل من النظام والأكراد ودعم موقفهم في المطالبة بإقامة كانتونات ودويلات خاصة بهم وهو ذات الأمر الذي يرى فيه كثير من المتابعين أنه يخدم إسرائيل باعتبارها دولة ويقدم دعماً واضحاً لفكرة قيام إسرائيل كدولة يهودية مقابلة لدولة كردية ودولة سنية كما روج تنظيم داعش لها (داعش وفكرة الدويلة مقالة للكاتب في موقع حرية بريس http://horrya.net/?p=3826)
موقف الدول الإقليمية من تقسيم سوريا

رغم الكلام الإعلامي والتصريحات الكثيرة للمسؤولين في الدول الإقليمية سواء الداعمة للثورة والمعارضة السياسية أو النظام بحرصها على وحدة الأراضي السورية غير أن الوقائع على الأرض تقول عكس ذلك ..
حيث يدعم الإيرانيون فكرة سوريا المفيدة والتي تضمن بقاء الأسد وبذات الوقت تضمن بقاء سيطرتهم على مناطق حيوية في سوريا منها الوصول للبحر المتوسط والربط بين حليفها في لبنان حزب الله وشريكه النظام السوري وبقاء ذريعتها التي تدخلت من أجلها وهي حماية المقدسات الشيعية فهي بشكل او بآخر دعمت فكرة التقسيم….
كذلك كان للدعم التركي لفصائل ذات إيدولوجيا معينة تركزت في مناطق جغرافية مثل الشمال السوري وتشكيل قوة لا يستهان بها , وبذلك تفرض أمر واقع من خلال تلويحها بتشكيل إمارات وفرض القوانين المتعلقة بها دوراً في فرض فكرة التقسيم على أساس عقائدي كما يذهب مراقبون أن عملية درع الفرات التي تدعمها تركيا هي خطوة تخدم فكرة التقسيم مستندين إلى طبيعة المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المدعومة منها …..
الموقف الدولي من تقسيم سوريا
رغم جميع التصريحات المتكررة لساسة الدول المهتمة بالشأن السوري وخاصة رؤساء الدبلوماسية في أمريكا جون كيري وزير الخارجية وفريقه السياسي وكذلك وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وفريقه السياسي وتأكيدهم على وحدة سوريا غير أن ما سرب من إجتماع وزيري خارجية البلدين أنهما بحثا في أكثر من إجتماع إمكانية تقسيم سوريا
وإن كان الكلام يحمل لغة دبلوماسية عالية من قبيل الفيدرالية والمرحلة الإنتقالية وغيرها من تصريحات لم تنص صراحة على التقسيم لكنها ذكرته طياً ضمن تلك التصريحات وبصورة غير مباشرة بل وتحول التهديد بالتقسيم كورقة ضغط على المعارضة السورية بالذات وفي هذا السياق جاء تصريح جون كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في25/2/2016 حول إمكانية تقسيم سوريا إذا لم تتوقف الحرب (وكالات أنباء جريدة القدس العربي عدد 26/2/2015 http://www.asharqalarabi.org.ukمركز الشرق العربي)
(أثار حديث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن صعوبة إبقاء سوريا موحدة ، إذا استغرق القتال إنهاء القتال وقتا أطول ، أثار المزيد من الجدل بشأن بروز تصور واضح من قبل واشنطن لتقسيم سوريا في حالة دعت الضرورة )
حقيقة تصريح جون كيري تعكس ما يدور في أروقة السياسة العالمية وخاصة في الحوار الأمريكي الروسي حول سوريا
ليأتي تأكيد جديد لما ذهب إليه جون كيري لكن هذه المرة بصورة أوضح
(على لسان مدير السي آي إيه جون برينان الذي قال في كلمة ألقاها الجمعة بمنتدى ” أسبين ” الأمني السنوي أنه لا يرى سوريا ستعود موحدة كما كانت هذا التصريح والذي دار حوله نقاش كبير في حلقة 30/7/2016 من برنامج حديث الثورة على قناة الجزيرة بين عدد من الضيوف
سفير الائتلاف السوري المعارض في فرنسا والمتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات ، إن حديث مدير الاستخبارات المركزي حيث قال وأضاف ماخوس في حلقة السبت (30/7/2016) من برنامج “حديث الثورة” ، التي ناقشت مستقبل سوريا على ضوء قول مدير السي آي إيه إنه لا يرى أن سوريا ستعود موحدة كما كانت ، أن قرائن مقنعة دعت برينان إلى قوله هذا وهو في أهم موقع استخباراتي يجعله يملك معطيات ومعلومات تجعله يصل إلى هذا الاستنتاج بإمكانية تقسيم سوريا
من جهته قال أندرو تابلر كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومؤلف كتاب “في عرين الأسد .. رواية شاهد عيان على معركة واشنطن مع سوريا “، إن برينان كان يتحدث عن واقع ، فسوريا الآن مقسمة ومجزأة بين قوى متعددة………
بدوره أوضح فلاديمير ستوينكوف المتخصص بقضايا الشرق الأوسط في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية أن موسكو لا تسعى لتقسيم سوريا وأن ذلك ليس في مصلحة أحد)

التقسيم في الإعلام الغربي
الحديث عن تقسيم سوريا في الإعلام الغربي بدأ مبكراً حيث حمل عدد النيويورك تايمز بتاريخ 30/9/2013
مقالاً بعنوان تقسيم الشرق الأوسط استعرض فيه تقسيم دول الشرق الأوسط ومن ضمنها سوريا
كذلك كتب راي تيكيه وهو باحث أمريكي من اصول إيرانية في الفايننشال تايمز يقول فيه أن السبيل الوحيد لكي يعم السلام في سوريا هو أن تقوم الولايات المتحدة وشركاؤها الأوربيين بوضع خطة لتقسيم البلد ومن ثم تنشر قوة بأعداد كبيرة لتنفيذها
كما يوجد الكثير من التحليلات والمقالات في الصحف الغربية والعربية تتحدث عن التقسيم وبرؤى مختلفة …..
العودة لسوريا المفيدة
بعد التدخل الروسي الكبير في سوريا واستخدامها لنفوذها العسكري والسياسي لدعم حليفها الأسد وبعد تحقيق بعض التقدم على الأرض عاد نظام الأسد ليرفع نبرة الحديث عن سوريا المفيدة لكن بصورة موسعة أكثر ومساحة جغرافية أكبر تضم حلب وبعض مناطق إدلب معتمدة على ما قدمه لها الروس من خدمة كبرى في العمليات العسكرية والدعم العسكري واللوجستي (مقالة للكاتب بعنوان سوريا المفيدة هل تتوسع http://lebanon360.org/article-desc_72605_)
هذا الحديث عن توسيع سوريا المفيدة يؤكد قناعة كلاً من نظام الأسد وحلفائه على عدم قدرتهم على السيطرة على كامل الجغرافية السورية الحديث في بداية العام 2017….
من جملة ما سبق نجد أن فكرة التقسيم ودعاتها يستندون على جملة من الأسباب التي جعلت من التقسيم أمراً واقعاً
أن الثورة السورية تحولت إلى حرب بين الفصائل وحرب ذات بعد طائفي إثني وقومي عقائدي وأن القوى المسيطرة باتت من القوة بحيث لا يمكن إزاحتها عن الساحة الجغرافية أو السياسية بحكم كونها باتت أمراً واقعاً وبذلك تكون سوريا قد تحولت إلى إمارات حرب لا يمكن إيقاف العنف فيها سوى بالقبول بهذا الواقع الذي فرضته القوة وبالتالي الذهاب إلى تقسيم سوريا إلى دويلات تحمي الأقليات الموجودة وبذات الوقت توقف القتال في سوريا…
هذه الرؤية تفتقد للدقة والموضوعية إذا رأينا جملة الأسباب التي تمنع هذا التقسيم من النجاح والتي ترتكز على أسس جغرافية واقتصادية وإثنية وعرقية وعلى شكل القبول الإقليمي لقيام مثل هكذا دويلات….
كما أن هناك أسباباً جيوسياسيّة واقتصاديّة تجعل التقسيم حلاً غير مستدام ، كذلك تلعب طبيعة العلاقة الإدارية والسياسية بين الكيانات المختلفة التي قد ينتجها التقسيم دوراً في جعله صعب التحقق.
الأسباب الموضوعية التي تجعل التقسيم صعباً في سوريا
رغم كل ما حصل في سوريا وطبيعة الحرب التي أخذت منحى ومسارات مختلفة ذات طابع إثني وعقائدي وطائفي ورغم محاولات البعض من اللاعبين في الساحة السورية من الإستفادة من هذه الحرب لتحقيق مشاريع تقسيمية وتحقيق مكاسب فئوية في إقامة كانتونات ودويلات أو الإستقلال ضمن حدود تم صناعتها بمنطق القوة والأمر الواقع غير أن فكرة التقسيم صعبة التحقيق لعدة اسباب يمكن إجمالها في اسباب ….
اسباب تتعلق بالداخل السوري
الشعب السوري بمجمله يرفض التقسيم ويحلم بسوريا واحدة موحدة كما تجلى ذلك في هتافات ثواره فالفكرة الوطنية الجامعة ليست وليدة اللحظة بل هي ميزة للشعب السوري الذي عاش ظروف قاسية , لم يتخلى فيها عن وحدته الوطنية منذ الإحتلال الفرنسي بقي محافظاً على تنوعه وغناه الثقافي والفكري…
كذلك للتداخل الديموغرافي وعدم وجود مناطق جغرافية تحتوي على مكون عرقي أو إثني صرف سبباً آخر يدعو لصعوبة تقسيم المنطقة على أسس عرقية أو إثنية , حيث تعيش المناطق السورية خليطاً متنوعاً عرقياً وإثنياً بحيث لا يمكن فصله وتقسيمه , لذلك عمد النظام السوري لتحقيق رؤيته التقسيمية إلى سياسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي في المناطق التي يسيطر عليها من أجل ضمان شكل دويلته المستقبلية التي يعمل على تحقيقها وفق رؤية سوريا المفيدة…
هناك أيضاً معقوات تتعلق بالبعد الإقتصادي لتلك الكانتونات أو الدويلات فالتكامل الموجود في سوريا كوحدة جغرافية لا يوجد في أي منطقة جغرافية أخرى في خارطة التقسيم أي أن الحاجة تبقى ملحة للتكامل مع المناطق الأخرى وبالتالي لا يمكن لأي دويلة أن تملك قوة إقتصادية بشكل منفرد بل ولا تملك مقومات الوجود الإقتصادي خاصة في جو عدائي مع المكونات الأخرى , مما يجعل قيام كيان على أساس إقتصادي أمراً بالغ الصعوبة بسبب توزع القوى الاقتصادية ومجالات العمل الإقتصادي من بنية تحتية وموارد أولية ومنافذ تصريف على مجمل الجغرافية السورية
فالنفط الموجود في الشرق يحتاج لخطوط نقل عبر أراضي الشمال حتى يصل لموانئ البحر المتوسط وبذلك يحتاج للمرور عبر ثلاث دويلات عدا عن صعوبة التواصل بين مكونات كل إقليم فالإختلاف العقائدي الذي ينتج عنه إختلافاً سياسياً يجعل من الصعوبة بمكان التواصل بين تلك المكونات إن لم تكن تلك العلاقات عدائية وبالتالي صعوبة في التواصل الإداري
صعوبات جيو سياسية تتعلق بشكل تلك الدويلات وعلاقتها بدول الجوار
جميع الطروحات التي ذكرت عن التقسيم في سوريا تقسمها إلى أربع أو خمس دويلات حسب سيطرة الفصائل المسلحة والتي أصبحت بحكم الأمر الواقع هذه الدويلات هي دويلة الساحل ذات الأغلبية العلوية وخزان النظام البشري يضاف لها دمشق العاصمة ودويلة الجنوب السوري والتي يضاف لها دروز سوريا ودويلة الشمال أو إمارة جبهة النصرة ودويلة الأكراد ومناطق سيطرة داعش في سوريا مضافاً لها مناطق سيطرتها غرب العراق.
هذه الدويلات كما هو واضح تقع على حدود دول الجوار السوري وبالتالي هناك تداخل جيو سياسي بينها وبين دول الجوار مما يجعلها معنية بتشكيلها وبالتالي يتحدد مصيرها حسب موقف تلك الدول.
الأتراك هم أشد المتضررين من قيام دويلة كردية تشجع على إنفصال الأكراد داخل حدود الدولة التركية وبالتالي فهم أشد الرافضين لقيام دويلة كردية على حدودهم خاصة عدوهم التاريخي حزب العمال الكردستاني وجناحه العسكري الpkkونظيره السوري pydوبالتالي تدفع تركيا باتجاه منع قيام تلك الدويلة ولو بالقوة وهو ما جعلها تتدخل في الشمال السوري عبر عملية درع الفرات من أجل منع وصول الأكراد للحدود التركية وإقامة دويلتهم كذلك يمانع الأتراك قيام دويلة علوية على حدودهم تشكل إمتداد للمكون العلوي داخل تركيا والتي ربما تحيي آمالهم بالاستقلال فالموقف التركي واضح من رفض قيام أي دويلة على الحدود مع تركيا ولو اضطرت لاستخدام القوة.
كذلك العراق الذي يخشى من قيام دولة سنية تسيطر على المنطقة شرق سوريا ومناطق الأنبار وبالتالي تهديد الدولة العراقية التي تدعم بهيكليتها السياسية الحالية المكون الشيعي مما يتسبب بصدام مباشر مع الحكومة المركزية في بغداد .
كذلك الأردن الذي يرفض قيام أي كانتون مستقل على حدوده لا يعرف ما هي توجهاته الفكرية والسياسية بل ربما يشكل خطر على شكل الدولة في الأردن .
المستفيد الوحيد من هذا التفتيت ربما يكون إسرائيل التي ستجد نفسها الدولة الأكبر والأكثر إستقرار وبذات الوقت ستجد مبرر لتحقيق حلمها بما تسميه يهودية الدولة متذرعة بأن الدول المحيطة تقوم على أساس إثني طائفي عقائدي وأيديولوجي.
هذا الرفض للدول الإقليمية المحيطة بسورية لتقسيم سوريا والنابع من تخوف كل دولة على أمنها القومي ومن عدوى إنتشار الحركات الإنفصالية يبدو العائق الأكبر أمام دعاة الإنفصال…
بعد التقدم الكبير لقوات نظام الأسد في الجغرافية السورية تغيرت النظرة إلى سوريا المفيدة وتغيرت التحالفات الإقليمية وأصبح الدور الروسي أكبر في فرض استراتيجيته السياسية والعسكرية على الأرض ..
مع اضمحلال تنظيم داعش في سوريا باتت فكرة قيام تكتل سني مستقل مستبعدة وهو ما كان واضح منذ البداية لكن ذلك لا يمنع ظهور فرضيات جديدة تعتمد على المكون الاجتماعي العشائري في إطار من الاستقلال الذاتي ضمن اقليم يضم المنطقة الشرقية والتي ستذهب الادارة الفعلية لها للأكراد بدعم أمريكي في حين تقوم واجهات عشائرية واجتماعية بتسيير الأمور المدنية فيها وقد عززت واشنطن هذه الفرضية من خلالها دعمها لإقامة جيش قوامه القوات الكردية ويصل تعداده إلى 30 الف مقاتل مهمتها حماية حدود هذا الاقليم الذي يقع تحت سيطرة مليشيا قسد المدعومة من التحالف ….
النظرة الى الوضع السوري اختلفت بعد اختلاط الأوراق مجدداً وتغير ميزان القوى على الأرض وبالتالي إعادة تموضع القوى ومناطق سيطرتها على الأرض , خروج القوى الاسلامية من الصراع تباعاً سواء كان ذلك على يد قوى دولية كخروج داعش او على يد بعضها البعض كخروج أحرار الشام على يد جبهة النصرة وحلفاؤها وتغير المزاج والدعم الدولي لبعضها والخلاف الخليجي الخليجي جعل من القوى المسيطرة على الأرض تنقسم إلى ثلاث قوى رئيسية
الأمريكان ويسيطرون على ما يقارب ثلث المساحة السورية ويدعمون قيام منطقة تحت سيطرتهم تتم ادارتها من قبل الاكراد وحلفاؤهم من العرب وتحظى بدعم سياسي ومالي وعسكري امريكي بانتظار حل نهائي للوضع في سوريا وتشمل المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من سوريا وتتميز بالمخزون النفطي والبشري والثروة الطبيعية والحيوانية ….
الأكراد وحلفاؤهم من الفصائل السورية ويسيطرون على ما يقارب ال10% من مساحة الأرض السورية وهي تقريباً تحت الادارة التركية , هدفها الاساسي حماية الأمن القومي التركي وحماية الحدود التركية وضمان عدم قيام دويلة كردية وهو ما ينذر بتصعيد تركي أمريكي بسبب موقف كلا البلدين من هذا الأمر حيث بدأت نذره تظهر للعيان من خلال التحركات التركية في الشمال السوري
نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين والذي يبحث كل منهم عن منطقة نفوذه الخاصة ضمن تحالف هش بين هذه الأطراف وبالتالي لا شكل واضح للمناطق التي تتم السيطرة عليها , والتي قد تصبح مستقبلاً سبباً في خلاف روسي إيراني , في حين لا يستطيع نظام الاسد تقديم أي رؤية منفصلة في ظل الهيمنة المطلقة على القرار السياسي والعسكري من قبل داعميه ..
أطراف المعارضة الطرف الأضعف في المعادلة لا تملك حتى اللحظة أي تصور واضح لشكل الدولة المراد قيامها بسبب ضبابية الموقف المحيط بها وتشتت الدول الداعمة لها وتغيير التحالفات المستمر في محيطها وضعف القرار المستقل لديها
يبقى الموقف الأمريكي غير المفهوم والمتأرجح بين الدعوة لوحدة سوريا ودعم الإنفصاليين الكرد بحجة مكافحة الإرهاب هذا الموقف ربما هو ما سيحدد شكل الحل في سوريا والذي فيما يبدو يسير نحو فدرالية لامركزية تأخذ فيها المكونات العرقية إمتيازات كبيرة لم تكن قد حصلت عليها من قبل لكن هذا الأمر يحتاج لضمانات وتفاهمات دولية لاتزال بعيدة التحقيق في المدى المنظور….
فراس علاوي

شاهد أيضاً

العفو الدولية…التحالف الدولي يتحمل مسؤولية فيما جرى بمدينة الرقة

عقدت منظمة العفو الدولية في ‎بيروت مؤتمرا صحفيا بشأن حقوق الإنسان في ‎سوريا تحمل مسؤولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − 8 =